ارشيف من :أخبار لبنانية

البعد العسكري لأزمة أميركا ـ إسرائيل

البعد العسكري لأزمة أميركا ـ إسرائيل

سمير كرم، السفير

ما اكثر ما قيل من كل الاطراف خلال الفترة منذ تفجر الخلاف بين الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نيتانياهو اثر اعلان خطة بناء 1600 وحدة سكنية استيطانية في القدس الشرقية... وهي الخطة ذاتها التي لم تلبث صحيفة «هآرتس» المستقلة ان كشفت عن شمولها 50 الف وحدة استيطانية حصلت بالفعل على موافقة حكومة نيتانياهو.

قيل الكثير وفي الاتجاهات كلها ما هو باتجاه تأييد اسرائيل وما هو باتجاه ضرورة وقف اسرائيل عند حدها ... لكن اخطر ما قيل على الاطلاق في هذه الازمة، التي وصفها سفير اسرائيل في واشنطن في لحظاتها الاولى بانها الاخطر منذ 35 عاما، كان ما قاله الجنرال ديفيد بترايوس قائد القيادة المركزية الاميركية، مرة قبل الازمة بنحو شهرين ومرة اخرى اثناء الازمة .. في ذروتها الاولى.

كان الجنرال بترايس قد ادلى ببيان يوم 17 آذار/مارس الحالي امام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الاميركي، اوضح فيه ان عدم احراز تقدم كاف نحو سلام شامل في الشرق الاوسط واستمرار الاعمال العدائية بين اسرائيل وبعض جيرانها يشكلان تحديات واضحة لقدرة القوات الاميركية المسلحة على احراز تقدم بشأن مصالحها في المنطقة.

وقال الجنرال الذي يقود القوات الاميركية التي تحارب في العراق وافغانستان وباكستان ان الصراع يؤجج مشاعر مناهضة للاميركيين نظرا لوجود تصور عن تحيز اميركي لاسرائيل. «ان الغضب العربي بشأن المسألة الفلسطينية يحد من قوة وعمق المشاركات الاميركية مع حكومات المنطقة وشعوبها ويضعف شرعية نظم الحكم المعتدلة في العالم العربي».

واضاف الجنرال بترايوس «ان تنظيم القاعدة والمجموعات العسكرية الاخرى ـ في الوقت نفسه ـ تستغل هذا الغضب لتعبئة التأييد لها. كذلك فإن الصراع يعطي لايران نفوذا في العالم العربي من خلال عملائها، حزب الله اللبناني وحماس».

في اعقاب هذه الشهادة قررت لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الاميركي مناقشة بيان قائد القيادة المركزية خلف ابواب مغلقة.. اي انها حولت جلسة الاستماع الى مناقشة سرية.

في اليوم نفسه كتب الصحافي الاميركي جيم لوب، الذي يعد الابرز والاكثر معرفة بخبايا السياسات الاميركية في الشرق الاوسط والحروب الاميركية في افغانستان وباكستان والعراق، منبها الى انه من المهم ملاحظة «استعداد الجنرال بترايوس لان يدلي بهذا البيان العلني وهو بكامل بزته العسكرية وعليها كافة النياشين التي منحت له طوال حياته العسكرية»، موضحا العلاقة بين «مشاعر العداء لاميركا والطريقة التي تعامل بها اسرائيل الفلسطينيين».

وهي بالفعل ملاحظة جديرة بالاهتمام... على الرغم من ان العلاقة بين سياسات اسرائيل تجاه الفلسطينيين ومشاعر الغضب في الامة العربية والعالم الاسلامي تتردد يوميا، بينما هي تعد في الولايات المتحدة بمثابة سر حربي.

لكن الحقيقة ان هذه لم تكن المرة الاولى التي اقر فيها الجنرال الاميركي بهذا السر. فقبل شهرين ـ بالتحديد في يوم 17 كانون الثاني/يناير الماضي ظهر فريق من ضباط القيادة المركزية ذوي الرتب الرفيعة امام الادميرال مايكل مولين رئيس هيئة رئاسة الاركان المشتركة الاميركية للادلاء بشهادة بشان الصراع العربي ـ الاسرائيلي، بناء على اوامر مباشرة من الجنرال بترايوس. وذكر صحافيون اميركيون ان شهادة ضباط القيادة المركزية اصابت الجنرال مولين بصدمة، وانهم استخدموا للشرح شريطا من الصور (سلايدز) استغرق عرضه 45 دقيقة. وكان مما قالوه ان هناك ادراكا متناميا بين القادة العرب ان الولايات المتحدة عاجزة عن الوقوف بوجه اسرائيل، وان الدائرة العربية في القيادة المركزية الاميركية تفقد بسرعة ايمانها بالوعود الاميركية، وان التعديات التي ترتكبها اسرائيل في الصراع العربي الاسرائيلي انما تشمل المكانة الاميركية في المنطقة العربية.

وكتب الصحافي الاميركي مارك بيري المتخصص بشؤون «البنتاغون» ان فريق ضباط القيادة المركزية وصف جورج ميتشل المبعوث الاميركي الخاص لمحادثات السلام في الشرق الاوسط بانه «عجوز اكثر من اللازم، بطيء اكثر من اللازم، وجاء في وقت متأخر اكثر من اللازم ...».
تبين بعد ذلك ان الجنرال بترايوس لم يكتف بهذه الشهادة من ضباطه لرئاسة الاركان الاميركية انما ارسل مذكرة الى البيت الابيض بعد يومين اثنين طلب فيها من الرئيس اوباما ان يتم ضم الضفة الغربية وغزة الى المنطقة التي تشملها قيادته، وذلك نظرا لانهما ـ بالاضافة الى اسرائيل ـ تقعان في ظل التقسيمات الراهنة تحت مظلة القيادة الاوروبية الاميركية (...) . لقد طلب بترايوس ان تصبح الضفة الغربية وغزة جزءا من القيادة المركزية. وقال بصراحة غير معهودة «بينما القوات الاميركية منتشرة في العراق وافغانستان يتعين ان يدرك القادة العرب ان القوات الاميركية منخرطة في اكثر مناطق الصراع اضطرابا».

عاد ضابط اميركي رفيع الرتبة بعد ايام من ذلك الى نفي النبأ عن هذه المذكرة الى البيت الابيض وقال ان الجنرال بترايوس لا يعلم على وجه الدقة ما الذي نقل الى البيت الابيض من شهادة ضباطه امام رئيس الاركان المشتركة. وقال الصحافي الاميركي صاحب النبأ عن هذه المذكرة ان شهادة الضباط امام الادميرال مولين اصابت البيت الابيض مثل قنبلة. ونقل عن ضابط كبير في «البنتاغون» ان البيت الابيض رفض ضم الضفة الغربية وغزة الى القيادة المركزية «من الدقيقة الاولى»، بل قال ان هذا الطلب وصل الى البيت الابيض ميتا. فكان هذا التصريح بمثابة نفي النفي لنبأ مذكرة الجنرال بترايوس الى البيت الابيض، ونفي النفي اثبات (...)

في المقابل تعهدت ادارة اوباما ان تضغط على اسرائيل مرة اخرى بشأن موضوع المستوطنات، وان ترسل السناتور ميتشل الى عدد من العواصم العربية وان ترسل الادميرال مولين الى اسرائيل للاجتماع برئيس الاركان في الجيش الاسرائيلي الجنرال غابي اشكينازي.

في تلك الاثناء تكهنت الصحافة الاميركية بان مهمة مولين في اسرائيل تتعلق بايران، وكانت الحقيقة ان الادميرال الاميركي حمل الى اسرائيل رسالة صريحة بانه يتعين عليها ان تنظر الى الصراع بينها وبين الفلسطينيين في سياق اقليمي اوسع... باعتبار ان له اثرا مباشرا على مكانة اميركا في المنطقة. ويقول بيري ان الادارة الاميركية «ظنت ان اسرائيل فهمت الرسالة. لكن اسرائيل لم تفهمها».

في هذا الجو المتوتر الملبد وجهت اسرائيل «بصقة» الى وجه نائب الرئيس الاميركي بايدن. ونتيجة لذلك كانت عبارة بايدين لنيتانياهو ـ بعد الاعلان في وجوده عن اقامة 1600 وحدة سكنية استيطانية في القدس الشرقية ـ «لقد بدأ هذا يتحول الى امر خطر بالنسبة الينا. ان ما تفعلونه هنا يقوض امن قواتنا التي تقاتل في العراق وافغانستان وباكستان. ان هذا يعرضنا ويعرض سلام المنطقة للخطر».

... انها شهادة بترايوس بالتمام والكمال «ان تعديات اسرائيل يمكن ان تودي بارواح اميركيين ثمنا لها»... نقلت الى آذان اكبر القادة الاسرائيليين بلسان نائب الرئيس الاميركي.

معنى هذا كله ان «اللوبي العسكري» الاميركي قد دخل ـ ربما للمرة الاولى فيما يسجله التاريخ العلني ـ معمعة الصراع بشأن العلاقات الخاصة بين الولايات المتحدة واسرائيل.

هل يمكن لاحد، حتى اسرائيل، ان يستهين بنفوذ اللوبي العسكري الاميركي؟

هل يمكن ان يقمع اللوبي الصهيوني الموالي لاسرائيل في اميركا اللوبي العسكري الاميركي كما يفعل مع اي من جماعات الضغط في الولايات المتحدة؟

هل يمكن لاسرائيل ان تتجاهل رسالة اميركية تجيء هذه المرة على لسان قائد القيادة المركزية الاميركية وكبار ضباطها ... بينما هذه القيادة في حالة حرب؟

كلها اسئلة منطقية ومشروعة، وقد تتنوع الاجابات عنها بتنوع الاطراف والاراء.

لكن السؤال الاهم: هل يجد الرئيس اوباما ونائبه بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون سبيلا الى الابقاء على العلاقة الاستراتيجية الخاصة مع اسرائيل حتى في مواجهة تحذير بهذه القوة من اللوبي العسكري الاميركي؟

ام الاحرى ان يجد اركان الادارة الاميركية الكبار في شهادة اللوبي العسكري الاميركي فرصة هبطت عليهم من السماء لمواجهة اللوبي الصهيوني ايا كان ما هو معروف عن نفوذه وقوته في الكونغرس بمجلسيه؟

لنسمح لانفسنا باضافة اخرى. نبأ آخر قد لا يكون بالامكان تجاهله عند الاجابة عن اي من هذه التساؤلات.

في ايار / مايو القادم سيقلد الجنرال بترايوس ـ نعم هو ذاته قائد القيادة المركزية الاميركية وصاحب هذه الشهادة «التاريخية» ـ جائزة ايرفنغ كريستول لعام 2010 كاعظم قائد عسكري اميركي منذ الحرب العالمية الثانية.

جائزة ايرفنغ كريستول ستمنح له في معهد «اميركان انتربرايز» احدى اهم قلاع المحافظين الجدد في واشنطن، وهم الاكثر ولاء لاسرائيل بين كل القيادات السياسية الاميركية، بل انهم الاشد حماسة في تأييد سياسات بنيامين نيتانياهو.

اللوبي الصهيوني الذي ايد قرار منح هذه الجائزة للجنرال بترايس يجد نفسه الآن في وضع حرج. انه لا يستطيع ان يدعو لحرمان الجنرال من هذه الجائزة لانه يصبح عندئذ مهددا بان يفقد بالكامل ولمدى زمني بعيد عطف او تأييد اللوبي العسكري الاميركي. الاقرب للاحتمال ان يسعى اللوبي الصهيوني الاميركي الى دفع حكومة نيتانياهو باتجاه الاعتدال. وقد يؤدي هذا الى سقوطها ..كما حدث في عام 1994 عندما سقطت حكومة نيتانياهو الاولى امام ضغط ادارة بيل كلنتون. وكلا هذين الخيارين مر بالنسبة لانصار اسرائيل من اليمين الاميركي.

انما يبدو ان الكذب اقرب السبل لدى اللوبي الصهيوني لمعالجة معضلاته.

لقد حاول المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي ان يغير وجه شهادة الجنرال بترايوس وبيان ضباطه الكبار بالزعم انهم قالوا في مجلس الشيوخ ورئاسة الاركان ان العرب لا يثقون باميركا ليس بسبب ضعفها امام اسرائيل انما بسبب ضعفها امام ايران.

وزع المعهد المذكور نشرته المحتوية على هذه الاكذوبة.. لم يجد من يرد عليها. نعم. لكنه لم يجد ايضا من يصدقها.

والبحث جار في كواليس الادارة الاميركية ـ كما في كواليس حكومة اسرائيل ـ عن مخرج من مأزق واجهته العلاقات الخاصة التي تربط بين هذين الطرفين.

ويمكننا ان نراهن على ان البحث جار ايضا عن مخرج لاميركا واسرائيل من هذا المأزق في كواليس عدد من الحكومات العربية في عواصم معروفة الاتجاه.

ولا بد ختاما من ان نؤكد ان كل الاحتمالات واردة ...بما في ذلك زوال المأزق الاميركي ـ الاسرائيلي من المشهد، كأن شيئا لم يكن.

2010-03-27