ارشيف من :أخبار لبنانية

مصــر: الخيبــة والأمــل

مصــر: الخيبــة والأمــل

سليمان تقي الدين، السفير

يُجمع النظام الرسمي العربي على طلب السلام من إسرائيل. ما زالت المبادرة العربية في قمة بيروت عام 2002 هي السقف الذي يدور تحته الحراك العربي ويشمل برعايته «المقاومة». استراتيجية «المقاومة» في حربي لبنان وغزة صارت صيغة دفاعية وجزءاً من توازن الردع الذي عبّر عنه لقاء دمشق أفضل تعبير. ما أنجز حتى الآن خلال عقد بعد الانهيار العربي أمام الهجمة الأميركية، هو تطوير القدرة الدفاعية على الجبهة الشرقية مع خلل كبير في الجبهة الجنوبية بحكم الموقف المصري الراهن.

لن تنتج القمة العربية أي تحسين في الموقف العربي ما لم تغيّر مصر نظرتها لأمنها القومي وتنشط في مواجهة السياسات الإسرائيلية بدءاً من فك الحصار عن غزة. مصر الخيبة ومصر الأمل.

«عبقرية المكان المصري» شرط ضروري لتعديل ميزان القوى العربي، بل هي الشرط الضروري للعروبة على وجه الإطلاق. لم يعترف العرب بالحاجز الإسرائيلي في فلسطين الذي شطر العالم العربي، لكن جدار السياسة المصرية منذ كامب ديفيد قصم ظهر العرب. لم تخرج مصر من الحرب خرجت من المكان الذي تجتمع حوله أطراف العالم العربي مشرقاً ومغرباً. لا يعوِّض هذا الفراغ أي بُعد آخر على أهميته، سوفياتي سابقاً وإيراني أو تركي حالياً. هذا أمن عربي مستعار، مهم، مفيد، ضروري، مشكور، صادق لكنه لا يشكّل بديلاً عن الأمن القومي العربي. لا أحد يضع رصيده مجاناً في ميزان العرب إلا العرب أنفسهم. مصر ليست مجرّد كمّ عربي كبير بل هي المجتمع والدولة الأكثر انسجاماً مع معطيات التاريخ والجغرافيا.

يتعدّل هذا الفهم عند وجود فرضية واحدة نجح المشروع الأميركي في استبعادها إلى أمد طويل عبر تدميره العراق، التدمير السياسي والمادي.
العراق اليوم عبء على القضية العربية وليس أحد حصونها. المقاومات التي صارت جزءاً من منظومة الدفاع في انسجام مع الصامدين العرب تتقوّى يوماً بعد يوم، لكن إسرائيل تقضم فلسطين وليس في مواجهتها استنزاف أو سياسة رادعة. لا تستطيع إسرائيل أن تفرض علينا الاستسلام ولا أن تفرض تسوية سياسية بشروطها، لكن ليس ما يمنع إسرائيل عن مراكمة الوقائع المجحفة بحق شعب فلسطين وقضيته.

إذا كنا لا نمتلك قرار الحرب بعد فلن نمتلك قرار السلام. ما نسمّيه «استراتيجية السلام العربية» ما تزال أكثرية عناصرها لدى أميركا والغرب. نريد إقناع الغرب بأن يساعدنا على إنجاز تسوية لأننا في حالة اللاحرب واللاسلام. هذه الواقعية السياسية التي يتمسّك بها النظام الرسمي العربي باتت تنسحب على المقاومة في كل مكان. لا أوهام عن بديل راهن، لكن لا بديل من سياسات تدعم انطلاق أشكال المقاومة المختلفة على أرض فلسطين. ما ينقص الوضع العربي الآن هو نقطة الارتكاز الفلسطينية، وحدة الموقف الفلسطيني وإحياء المشروع الفلسطيني، بتوحيد الهوية والخطة والأرض والوسائل في مواجهة الشرذمة والتصارع وتقاسم السلطة وضياع الأهداف واختلاط الوسائل وتناقضها. مصر مجدداً ضرورة لكي تكون غزة بوابة عبور إلى فلسطين وليس إمارة أو جزيرة من الجزر والمربعات التي يصنعها الاحتلال، ومخيماً كبيراً.

بين ما نتمناه كعرب وبين الواقع فجوة كبيرة لا يجوز أن نملأها بالانتظار ولا بالأوهام. التحدّي الإسرائيلي أعمق مما يتصوّر البعض. «نغني لأميركا وهي صمّاء». ليست مسألة إدارة بل مسألة ترابط عضوي بين الإمبريالية وإسرائيل، وأكثر ممّا كان قبلاً بين الاستعمار القديم وإسرائيل. نحن أمة مهزومة اليوم في صراعها مع الإمبريالية، لدينا القابلية للاحتلال المباشر وغير المباشر، لدينا التبعية الاقتصادية، لدينا الإرادة السياسية المعطلة. ولدينا فوق كل ذلك غياب في الرؤية وفي فهم مصالحنا العليا وحاجات العصر ووسائله. الكمّ العربي الهائل بالقياس لإسرائيل هو خارج الحضور الفعّال وفي الموقع الصح وفي الوجهة السليمة. هل نتحدث عن العلم والتكنولوجيا والصناعة وإدارة الموارد والمشاركة السياسية والتنمية والحرية والديموقراطية!؟ بل هل نتحدث عن مشروع نهضوي قومي يمكن أن ينشأ عن نظام «شمولي» يرفعنا إلى مستوى العصر ولو على الصعيد المادي!؟ لم يعد لدينا محمد علي باشا ولا طبعاً صلاح الدين ولا عبد الناصر، وليس لدينا نموذج القومية الألمانية أو الروسية أو الصينية أو الإيرانية أو التركية، لا بفكر شوفيني أو إنساني اشتراكي أو ديني، نحن أمة بلا مشروع سياسي تكرز كل يوم على هويتها الثقافية والحضارية والدينية وتعيش في التاريخ ولا تصنع الحاضر كما يجب بقواه وأدواته ووعيه. القمم العربية حاصل هذا المشهد، فهل من مشهد آخر يمكن أن نصنعه!؟

في هذه اللحظة السياسية يراهن معظم النظام العربي على التناقض الظاهر بين أميركا وإسرائيل. هذا التناقض موجود فعلاً بين سياسة أميركية تدير أزمات المنطقة برؤية أشمل وبين إسرائيل بأولوياتها الخاصة. اختلاف النظرة لم يؤد حتى الآن إلى بلورة مشروع أميركي للتسوية. أميركا تطالب إسرائيل بعدم إحراجها وهي تحاور أو تفاوض العرب لترتيب نفوذها واستيعاب موجة العداء لها وضعف حلفائها. لا إجراءات أميركية تكبح السياسة الإسرائيلية، ولا تذكير حتى بقرارات الشرعية الدولية، كل ما يطلب تسهيل المفاوضات دون أفق محدّد.

نجاح القمة العربية بالحد الأدنى يفترض ليس فقط صدور الإدانة لإسرائيل، وهو أسهل القرارات، بل من خلال الوقوف بوضوح مع كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على توحيد قيادته وبرنامجه والكفّ عن محاولة تطويعه لحاجات النظام الرسمي العربي. لكن ذلك مرهون إلى مستقبل النظام المصري، وإلى حين حصول هذا التحوّل نتذكّر لعبة الطفولة: «دلّوني ع بيت الحاج؟.. بعدو بعيد.. بعدو بعيد..».

2010-03-27