ارشيف من :أخبار لبنانية

نصر الله يقلب الأدوار: قرار ظني بحق «المحكمة»

نصر الله يقلب الأدوار: قرار ظني بحق «المحكمة»
عماد مرمل - "السفير"

قطع «حزب الله» حبل الصمت الذي اعتصم به طويلا في ما خص عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وأفرغ من خلال كلام امينه العام السيد حسن نصر الله بعضا مما في جعبته الممتلئة، محتفظا بالأوراق الحاسمة للحظة المناسبة.
 
وعلى هدى استراتيجية المقاومة في العمل، أخذ «حزب الله» وقته في مراقبة سلوك المحكمة الدولية ورصد خطواتها، قبل ان ينفذ عمليته الوقائية والموضعية، وفق إحداثيات منتقاة، تضمن إصابة الهدف بأعلى قدر ممكن من الدقة.

بدا واضحا ان كل كلمة نطق بها السيد نصر الله كانت محسوبة جيدا ومحبوكة بعناية، بما يضمن وصول الرسائل الى عناوينها بالشكل الصحيح. كان نصر الله حريصا على ان تكون مقادير مواقفه مدروسة في احجامها وتوازناتها، لمنع أي جنوح في التفسير وللحد من مساحة التـأويلات الخبيثة.
 
لم يتردد في تعرية تجربة لجنة التحقيق والمحكمة، إلا انه حفظ لها في الوقت ذاته «ورقة التوت». تلا ما يشبه القرار الظني بحقها، ولكنه ترك لها الفرصة لاثبات براءتها. ذهب بعيدا في الإضاءة على مكامن الخلل إنما من دون ان يقطع خط الرجعة.
 
هذه الاستراتيجية التي تقوم على قاعدة الإمساك بالعصا من الوسط تجلت بوضوح من خلال مبادرة «السيد» الى عرض ملاحظاته على عمل المحكمة بصراحة وجرأة، لم تخرجا عن دائرة الرصانة ولم تقفلا الأبواب امام استمرار التعاون مع المحكمة تحت سقف مجموعة من الضوابط التي تفضي الى صياغة معادلة «التعاون المشروط»، علما ان هناك من حاول عبر السنوات الماضية ان يحول الكلام عن المحكمة الى نوع من الـ«تابو» او المحرمات التي تجعل من يمسها متهما بالمشاركة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى يثبت العكس.
 
لقد كسر الأمين العام لـ«حزب الله» هذا الحاجز النفسي مع المحكمة، بل استطاع أن يؤسس الارضية لتعديل قواعد اللعبة، منتقلا عبر مطالعته المنظمة من الدفاع الى الهجوم، واضعا المسار الذي سلكته المحكمة حتى الآن في قفص الاتهام الذي أراد البعض لسمعة «حزب الله» وكوادره ان تكون فيه.
 
ولعل أهمية المعادلة التي رسمها نصر الله، تكمن في انها لا تقدم أي هدايا مجانية لخصومه، في الداخل والخارج، طالما انه اكد ان الحزب استجاب، وما زال، لكل طلبات الاستدعاء الموجهة من المحكمة الى عدد من أعضاء الحزب والمقربين منه للاستماع اليهم بصفتهم شهودا، وهو موقف يكتسب أهمية خاصة كونه يعكس مرونة في التعاطي، على الرغم من مآخذ الحزب على الانحراف في مسار التحقيق.
 
بهذا المعنى، أوحى نصر الله بان لا حصانة استثنائية للحزب وان لا «فيتو» على استماع المحكمة لمن تشاء من أعضائه، شأنهم شأن باقي الشهود، خلافا لمحاولات البعض التلميح الى ان سلاح الحزب يمنحه وضعية خاصة تجعله فوق القانون وتفرض قواعد خاصة للتعامل معه، تميزه عن باقي اللبنانيين «العزل».
 
ولئن كان نصر الله قد تعمد ألا يقطع آخر الجسور المتبقية مع المحكمة، غير انه أبلغ من يهمه الأمر في لبنان وخارجه بأن اللعبة مكشوفة وان ما يجري تحت الطاولة ليس خافيا على الحزب الذي يعرف الأدوار الموزعة ومن يؤديها، ووفق أي سيناريو وإخراج، إلا انه سيؤجل خلط الاوراق وربما تمزيقها، وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري ورغبة في إعطاء المحكمة «فترة سماح»، بمفعول رجعي، لاستدراك شرودها.
 
ومن الواضح ان الحزب استفاد في هجومه الوقائي من خبرة السنوات الماضية وتجربة اتهام سوريا والضباط الاربعة، ولعله اراد ان يقول على طريقته بأنه حفظ الدرس جيدا وتعلم من كيس غيره، وبالتالي فان نظرية الاتهام السياسي والاعلامي التي بنيت عليها انحرافات المرحلة السابقة، لن يسمح بان تتكرر معه.
وفي قراءة أولية من قبل أوساط بارزة في تيار المستقبل لكلام نصر الله حول المحكمة الدولية، ظهر ان هناك ميلا لدى تلك الاوساط للتصرف على قاعدة ان رسائله غير موجهة الى الداخل اللبناني وبالتالي فان فريق 14آذار ليس معنيا بها.
 
وترى هذه الاوساط ان حلفاء حزب الله وأصدقاؤه هم المسؤولون بالدرجة الاولى عن التسريبات التي يشكو منها السيد نصر الله، لافتة الانتباه الى ان بعض هؤلاء كان السبّاق الى الكلام عن استدعاء عناصر من الحزب وتحديد عددهم، وقد تبين بالفعل ان معلوماته كانت صحيحة.
 
وتشدد أوساط «المستقبل» على ان فريق 14آذار ليس مسؤولا عما ينشر في صحف أجنبية، وليس هناك من دليل واحد على انه هو مصدر المقالات المشكو منها، إلا ذا كان رؤساء تحرير «لوموند» و«فيغارو» و«دير شبيغل» قد اصبحوا أعضاء في الامانة العامة لقوى 14آذار.

وتشير الى ان فريق 14آذار عموما وتيار المستقبل خصوصا يستخدم سياسة الصمت حيال كل ما يتعلق بنشاط المحكمة الدولية، وليس لدينا من معطيات خاصة بحوزتنا سوى تلك التي يتداولها حزب الله والمحسوبون عليه سياسيا، والتي يبدو ان السيد حسن نصر الله بنى مواقفه عليها، علما اننا من دعاة انتظار القرار الظني لذي سيصدر عن المحكمة حتى يبنى على الشيء مقتضاه، لأن أي قرار من هذا النوع سيكون مستندا الى تفاصيل وحيثيات وعندها يمكن ان ندلي برأينا فيها، اما ما يقال قبل ذلك فهو يندرج في إطار التشويش غير المفيد.
2010-04-02