ارشيف من :أخبار لبنانية

جنبلاط يعود إلى دمشق و«خياراتها الاستراتيجية»... ماذا عن الحريري؟

جنبلاط يعود إلى دمشق و«خياراتها الاستراتيجية»... ماذا عن الحريري؟
"السفير" - غاصب المختار

ما بين «المواقف الجريئة» التي قدمها رئيس الجمهورية ميشال سليمان عبر «السفير» قبل ايام، واثارت اعتراض رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وبين زيارة النائب وليد جنبلاط الى دمشق ولقائه الرئيس السوري بشار الاسد، ثمة مسافة قصيرة سيجتازها لبنان قبل ان يصل الى وضع سياسي داخلي جديد، عنوانه الاساسي عودة لبنان الى الخيارات الاستراتيجية التي تحميه بعد فورة السنوات الخمس الماضية غير الطبيعية التي وضعت لبنان على حافة مخاطر كثيرة وكبيرة، ليس اقلها السعي الحثيث لخلق الفتن الداخلية التي تطيح بكل مقومات مؤسسات الدولة وقوة البلد في مواجهة المشـاريع الخطيرة الخارجية المعروفة.
 
وجاء كلام الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، امس الاول، وكلام جنبلاط من بعده، بالامس، ليضعا مسحة الاضاءة شبه الاخيرة على ما ستكون عليه الحال مستقبلاً، وربما في الاشهر القليلة المقبلة. فحسمُ جنبلاط خياراته السياسية الاستراتيجية، وتأكيد السيد نصر الله هذه الخيارات، وكلام رئيس الجمهورية قبل ايام، لن تكون مجرد عراضة سياسية داخلية تنتهي في الزمان والمكان، ويبقى الوضع الداخلي على ما هو عليه، بل إن الأمور ذاهبة إلى تغــييرات دراماتيــكية ربما تطال الحكومة بشكل او بآخر، بالــشكل جزئيا أو كليا كما في الأداء والمضمون السياسي.
 
وتفيد معلومات مطلعين على الجوانب الاساسية للقاء الرئيس الاسد بوليد جنبلاط، أن عنوانه الوحيد كان الاضاءة على محطات مضت وخاصة منذ لحظة الخلاف الأولى بينهم، قبل رحيل الرئيس الراحل حافظ الأسد، اذ قال جنبلاط للأسد ردا على سؤال عن لحظة الاختلاف الأولى، باعادة تذكير الرئيس السوري بموقفه الذي كان داعما لمجيء الرئيس اميل لحود لرئاسة الجمهورية في العام 1985، وكيف تآمر هو (جنبلاط) ومعه رفيق الحريري مع بعض الأوساط العربية، للتمديد للرئيس الياس الهرواي لثلاث سنوات بما يقطع الطريق على اميل لحود.
 
من عند هذه النقطة انتقل الأسد وجنبلاط الى المحطة الثانية الأبرز في محطات خلافهما أو اختلافهما، وهي مرحلة التمديد للرئيس اميل لحود في العام 2004، وصولا الى ما رافق الاغتيالات والتفجيرات، وانشاء المحكمة الدولية وما رافقها من «بازارات» استفاض الجانبان في سرد بعض وقائعها... ومن هناك انطلقا نحو المستقبل اللبناني ومستقبل الصراع في المنطقة والتي تعني لبنان بالدرجة الاولى بقدر ما تعني سوريا والمقاومة الفلسطينية، خاصة أن البحث تناول ـ بحسب المطلعين ـ ما انجزته المقاومة في لبنان وفلسطين من انتصارات ومن تأثيرات ادت الى تغييرات في مواقف بعض القوى، ومنها وليد جنبلاط.
 
وبحسب المطلعين، خرج الأسد وجنبلاط من اللقاء مرتاحَين جدا، نظرا لطبيعة العلاقة الجديدة التي تأسست، ودائما تحت مرأى ومسمع قيادة «حزب الله» التي واكبت الزيارة تقنيا وسياسيا، بأدق تفاصيلها، من خلال كل من المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين خليل ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب الحاج وفيق صفا... بما في ذلك مرافقتهما، مع أحد كبار المسؤولين الأمنيين السوريين، لوليد جنبلاط حتى عتبة قصر الشعب.
 
هذه العلاقة الجديدة قال جنبلاط، أمس، إنها مبنية على خيارات الماضي وتاريخه النضالي الوطني والقومي، وكانت النتيجة أن اكد جنبلاط تبنيه خيار التنسيق الاستراتيجي مع المقاومة وسوريا، أما التفاصيل اللبنانية الصغيرة فلها من يتابعها عبر القنوات الرسمية بين البلدين، مثلما تفاهم مع القيادة السورية على آلية تنسيق بين حزبه والقيادة السورية بحيث ستتم من خلال وزير الأشغال غازي العريضي، فيما سيتولى ملف المتابعة من الجانب السوري معاون نائب رئيس الجمهورية السورية اللواء محمد ناصيف (أبو وائل).

وبحسب تقدير معنيين بزيارة جنبلاط الى دمشق، انه «قال في مقابلته لمحطة «الجزيرة» كلاما وجدانيا حقيقيا في السياسة لا يستطيع ان يقول اكثر منه، وأجرى مراجعة صادقة وحقيقية للمرحلة الماضية ودوره فيها، على المستويين الخاص والسياسي، وهو كلام ايجابي بالعموم سهل الطريق له اكثر الى دمشق، وأدى الغرض المطلوب منه في إعادة تصحيح العلاقة بين «أبي تيمور» ودمشق، التي لم ترد من جنبلاط اكثر من الموقف الاستراتيجي... من دوزن اغفال «المهمة الصعبة» التي قام بها السيد نصر الله لاقناع القيادة السورية.

ويقول المتابعون للزيارة، ان اهم ما قاله جنبلاط في السياسة، هو اختياره «نهج المواجهة العربية والاسلامية ضد المشروع الاميركي ـ الصهيوني المعد للمنطقة»، وهو بهذا الاختيار حسم موقفا استراتيجيا مهما يُعتقد انه يهم السوريين اكثر من الجوانب السياسية المتعلقة بالوضع اللبناني الداخلي. وهذا له حساب آخر وظروف اخرى يمكن للقيادة السورية البناء عليها، إذ لا يتوقف امر التعاطي السوري مع لبنان على وليد جنبلاط وحده.
 
وفي التفاصيل اللبنانية، يأتي دور الرئيس سليمان، الذي سبق وبدأ مسيرة تصحيح العلاقة مع سوريا، عبر انجازه ـ بحسب اوساطه- ملف العلاقات الدبلوماسية، وحصر العلاقات بالاقنية الرسمية، وان كانت بداية العلاقة قد مرت بتجربة لم تعمر طويلا بتشكيل لجنة اتصال ثنائي بين الرئيسين، لأنها تختصر المؤسسات الرسمية وهو ما لم يكن الرئيس الاسد متحمساً له، علما بأنه حصل تعديل في الآونة الأخيرة، على صعيد قناة الاتصال الثنائية، لمصلحة أحد الوزراء السابقين الذين صاروا يلعبون دورا اساسيا بين بعبدا ودمشق.
 
وفي هاجس الرئيس ميشال سليمان ـ يقول المتصلون به ـ منع تهديد الاستقرار الداخلي الامني والسياسي نتيجة الوضع الاقليمي المتوتر، وخاصة في الساحة الفلسطينية، إذ لا جو تفاوض حقيقيا حتى الآن للوصول الى التسوية المنشودة، ولا جو حرب وشيكة يهيمن على المنطقة، لكن «الستاتيكو» الحالي يزعج الرئيس سليمان، لأنه يكرس احتلال الارض، ويخلق جوا ضبابيا يحمل في طياته بعض حالات التوتر التي لا يُعرف متى تكبر. لذلك يصر الرئيس على التوافق الداخلي، وعلى التنسيق مع سوريا، لمواجهة اي احتمال لتصعيد خارجي ينعــكس سلــبا على لبنان، كما يحرص على توحــيد الموقف العربي لمقاربة اي مستجد يعني القضية العربية.
 
وفي هذا السياق، يؤكد المتصلون بالرئيس سليمان، انه ليس على الحياد في موضوع مقاومة الاحتلال وفي موضوع الاصلاح ومكافحة الفساد، وهو لا يمشي بين الالغام الداخلية متجنبا انفجار احدها به، لكنه يحاول ان ينزع الالغام من طريق تحقيق التوافق والاستقرار الداخليين.
 
في الجانب الاقليمي والاستراتيجي لا تقبل سوريا صيفا وشتاء على سطح واحد، وهذا الامر ينطبق ايضا على علاقة سوريا برئيس الحكومة سعد الحريري، وهو ما سيظهر في الزيارة المرتقبة للحريري الى دمشق منتصف هذا الشهر.
 
ولعل توقيت زيارة الحريري الى دمشق يرتبط بنوعية العلاقة التي يريدها وطبيعة الزيارة التي ينوي القيام بها، هل هي محصورة ومحدودة العناوين، ام انها رسمية بكل معنى الكلمة وتفتح كل الملفات العالقة؟ وهل سيُبقي الحريري «رِجلا في البور ورِجلا في الفلاحة»، ويبقى على تحالف «لا يفكه الا الموت» مع خصوم سوريا الألداء، والمرتبطين بمشاريع خارجية تضر بسوريا وبالمقاومة في لبنان؟

وثمة من يرى ان طبيعة المعركة السياسية التي تُخاض في المنطقة، تجعل علاقة سوريا بأي طرف لبناني رهن ظروف هذه المعركة وتطوراتها، خاصة اذا قرر لبنان الرسمي امرا ما قد لا تراه سوريا مناسبا لإنجاح ظروف مواجهتها، وبهذا لا يكــون السوري هو من يُدخل لبنان في صـراع المحاور، بل يكون لبنان قد اخـتار ان يكون طرفا.
2010-04-02