ارشيف من :أخبار لبنانية

"لصوص" مع أسرهم ونواطير يستخدمون "الآر بي جي"

"لصوص" مع أسرهم ونواطير يستخدمون "الآر بي جي"

غسان سعود


الوصول إلى عيون أرغش في هذا الوقت من العام ليس أمراً سهلاً. فهناك 3 طرق أساسية توصل إليها: الأولى شماليّة من طريق بلدة بشري، ما زالت مقفلة بالثلوج، ويفترض أن يبدأ العمل لفتحها خلال أيام (تجعل هذه الطريق من عيون أرغش البقاعية امتداداً شبه طبيعي لقضاء بشري). الثانية بقاعية من طريق دير الأحمر، مروراً ببلدة بشوات. والثالثة بقاعية أيضاً من طريق شعت ـــــ نبحا (بلدة مارونية ـــــ شيعية) ـــــ برقا (مارونية ـــــ شيعية أيضاً) ـــــ عيون، إضافة إلى طريق ترابية ضيقة عبر دير الأحمر ـــــ عيناتا تتسع لسيارة واحدة وتمتلئ بالحفر.
جغرافياً، ترتفع عيون أرغش 2100 متر عن سطح البحر، لتطل على دير الأحمر (1280 متراً) ومدينة بعلبك (1150 متراً) وسهل البقاع، وصولاً إلى الحدود السورية (الهرمل ضمناً). هذا الارتفاع، إضافة إلى الموقع بين البقاع والشمال، جعلا منها استراتيجياً واحدة من أهم النقاط العسكرية، ما أدى إلى تمركز القوات السورية فيها منذ عام 1976 وحتى انسحابها من لبنان عام 2005. وبحسب مصادر في حزب الله، فإن محاولتي تسلل فرق الكوماندوس الإسرائيلية إلى بلدة بوداي أثناء حرب تموز وبعدها بأربعة أيام حصلتا إثر إنزال إسرائيلي في وادي الزينية القريب نسبياً من عيون أرغش، علماً بأن الطيران الإسرائيلي دائم التحليق في سماء العيون.
هذه المنطقة كانت شبه منسية لعقود خلت. لكن الانسحاب السوري منها، والخلاف على مياه العيون بين بعض أبنائها من آل طوق وبعض أبناء بلدة حلبتا المجاورة من آل أمهز، شجع آل طوق على الاهتمام أكثر بأرزاقهم في العيون، وحُسّنت المطاعم التي تجاوز عددها في السنة الماضية عشرين مطعماً، وهي تجتمع حول مجموعة ينابيع وعيون تتفجر منها المياه الجليدية. وهي تقفل ابتداءً من مطلع شهر تشرين الأول وتفتح في مطلع شهر حزيران بسبب البرد القارس. والجدير ذكره أن معظم رواد المطاعم يأتون من بلدات الهرمل وبعلبك.


ماذا حصل في عيون أرغش يوم الجمعة الماضي؟ وصلت نحو الساعة الثانية ظهراً أسرتان من آل كركبا وياغي (3 رجال، 4 نساء و5 أطفال) آتين من بلدة تل أبيض المجاورة لمدينة بعلبك، وجلسوا قرب عيون المياه في أرض تعود ملكيتها إلى مطعم «سكالا» ليمضوا نحو ساعتين بين الطعام والأركيلة. علماً بأن مكان جلوسهم يبعد أربعمئة متر عن المنازل. ولم يصادفهم خلال ساعتين ونصف ساعة أي أمر غريب، ليفاجأوا لاحقاً بسقوط قذيفة على بعد 15 متراً من مكان جلوسهم، فاعتقدوا، والرواية دائماً لواحد منهم، أنها إسرائيل. فسارعوا إلى توضيب أغراضهم وصعدوا في السيارات ليفاجأوا بسقوط قذيفة ثانية، ويتبين لهم أن مصدرها إحدى الغرف الصغيرة التي تنتشر وسط المزارع، ويفترض أنها لحفظ آلات الزراعة أو المبيدات الزراعية. علماً بأن مطلق القذائف بداية والرصاص لاحقاً كان يواجه سياراتهم مباشرة، لكنهم اضطروا إلى التوجه صوبه لخشيتهم من إصابتهم أثناء التدوير.
بعد تجاوزهم الرصاص، انتظر المستهدفون الوصول إلى نقطة فيها إرسال ليتصلوا بالقوى الأمنية وبأحد المسؤولين في حزب الله في بلدتهم. وإذ يُعرف أن عملية كهذه تؤدي عادة إلى استنفار أبناء المنطقة المستهدفة وتوجههم صوب المستهدفين للثأر، ما يؤدي إلى مشكلة مسيحية ـــــ شيعية، إلا أن حزب الله، بحسب مصدر مقرب منه، تدارك الأمر عبر التنسيق مع الجيش الذي توجهت قوة منه تتمركز قرب عيون أرغش إلى المنطقة المذكورة. وكان واضحاً من نوعية عملية الدهم وعديد العناصر أن لدى الجيش معطيات وافية عمّا يحصل هناك. وقد وجد عناصر الجيش أربعة رجال من آل طوق (مزارع، رجل أربعيني، طالب جامعي وشاب عمره 15 عاماً) يحرسون، بحسب مصدر أمني في المنطقة، 900 كلغ من تبن الحشيشة الذي تصنع منه حشيشة الكيف. ووُجد في المكان نفسه قاذفتا «آر بي جي» وعشرات القذائف، رشاش متوسط من عيار 12.7 ملم مع قاعدته وبنادق أميركية الصنع وثلاث كاميرات مراقبة ومنظار واحد. ووجد الجيش في ثلاث مغاور في المكان (التينة وادي الست والعمروس) كمية ذخائر قال مصدر أمني إن عددها كثير جداً، مؤكداً أنها أميركية الصنع لكنها ممهورة بكتابات عبرية. ووجد كذلك ألبسة عسكرية تشبه، بحسب مصدر آخر، تلك التي كانت ميليشيا القوات اللبنانية تستخدمها خلال الحرب.
يتناوب الشهود والمصادر الأمنية على قصِّ الرواية السابقة التي شجعت بعض السياسيين على التأكيد أن ما وجد في عيون أرغش هو مخيم تدريب قواتي بموازاة إشارة بعض وسائل الإعلام إلى أن الموقوفين ينتمون إلى حزب القوات اللبنانية.
في المقابل، ردت القوات مشيرة إلى أن «وسائل إعلام 8 آذار استغلت حادثة عادية وقعت في عيون أرغش، شبيهة بأي حادثة تقع يومياً في كل منطقة من المناطق اللبنانية، فعمدت بإدارة أسيادها من خلف الحدود إلى تحوير وقائعها وأخذها من إطارها الفردي والضيق لتضفي بعداً سياسياً يرمي إلى النيل من القوات ومحاولة عزلها والتضييق عليها، لا لشيء إلا لأن القوات تمثّل رأس حربة الاستقلاليين والسياديين».
ورأت القوات أن «أهالي عيون أرغش تداركوا سرقة بعض اللصوص لمنازلهم وممتلكاتهم عبر انتداب نواطير لحراسة ممتلكاتهم. وبتاريخ 2/4/2010 اشتبه بعض هؤلاء النواطير بتحركات أشخاص مشبوهين في محيط عيون أرغش، فأطلقوا النار عليهم، ما حدا الجيش إلى توقيف شخصين على ذمة التحقيق».
هكذا، تنشأ قصة جديدة يتناول فيها اللصوص الغداء في ساحة الجريمة قبل قيامهم بالسرقة، ويصطحب هؤلاء اللصوص معهم أسرهم، زوجات وأطفالاً. أما النواطير في هذه القصة فيدافعون عن الأرزاق بالآر بي جي ويخزن هؤلاء اللصوص تبن الحشيشة وسلاحاً ممهوراً بختم إسرائيلي وثياباً عسكرية قواتية.
ببساطة، هناك من يجتهد لتغدو قصة النائب إيلي كيروز وتاجر المخدرات بطرس حبشي واقعية جداً، متمسكاً بالصراخ: «هناك من يريد النيل مني ويحاول عزلي».

2010-04-06