ارشيف من :أخبار لبنانية
الدين العام الى أين في ظل غياب المعالجات الجذرية؟
خليل شحادة - هبه عباس
يعتري الإقتصاد اللبناني خلل جذري، وهو ما برز بارتفاع الدين العام بنسبة 1.1%، الذي أعلنت عنه وزارة المالية، ويعزو مراقبون السبب إلى السياستين النقدية والمالية اللتين يحكمهما منطق فرض الفوائد العالية على حركة القطاعين الخاص والعام الاقتصادية، ما أثّر على مرونة القطاعين في تحريك عجلة الإقتصاد الوطني وجعلهما عاجزين حتى عن محاولة إيفاء الديون الخاصة بهما.
موقع الانتقاد الإلكتروني حاور الخبير الاقتصادي الدكتور "إيلي يشوعي"، الذي رأى أنه "يوجد ركيزتان أساسيتان لأي سياسة اقتصادية تنشد الاستقرار الاقتصادي وتحقق نتائج اقتصادية كلية متوازنة ومفيدة للمجتمع"، والركيزتان هما :
1-السياسة النقدية
2-السياسة المالية
وأوضح يشوعي أن "تراكم الدين العام في لبنان سببه خلل كبير وعيوب كبيرة اعترت تطبيق هاتين السياستين"، موضحاً أن "للسياسة النقدية هدفين هما حفظ النمو والاستقرار النقدي"، ولفت إلى أن "تطبيق السياسة النقدية في لبنان لم يحقق الأهداف كما يجب، حيث فرضت الدولة على القروض المصرفية في القطاع الخاص فوائد باهظة وعالية، ربطتها بثبات سعر صرف الليرة اللبنانية"، مشيرا إلى أن "هذه الفوائد العالية التي اعتُمدت لم تعاقب القطاع الخاص فقط، بل القطاع العام أيضاً من اجل تمويل مشاريع إعادة الاعمار".
وشرح الخبير يشوعي أنه مع ظهور العجز المتتالي العالي النسبة في الموازنات العامة كل سنة، بدأ التضخم في الدين يتكوّن، وهذا العجز المتتالي في الموازنات العامة تمت تغطيته، باستدانات جديدة أضيفت إلى أساس الدين الأول، وهو الأمر الذي جعل كرة الثلج (الدين العام) تتضخم وتكبر". ويضيف يشوعي أن " القطاع العام الذي يتخبط بمشاكل جمة، يفتقر الى الانضباط المالي والانتاجية الكافية، والدولة تستمر بالاقتراض، وهي لا تسدد شيْئا، بل إن الديون تتفاقم وتتراكم، حتى وصلنا إلى هذه الأرقام الظاهرة بنسبة الدين العام، والتي مردها الفشل في السياسة النقدية والمالية".
بدوره، رأى مدير مركز الدراسات الاستشاري الدكتور عبد الحليم فضل الله أن "هناك العديد من الأسباب التي أدت الى ارتفاع الدين العام من 35 مليارا عام 2005 الى 51 مليارا عام 2009 "، مؤكدا أن "هذا التضخم الكبير في الدين العام يعود الى أن الدولة قد ارتضت بدون أي مبرر مالي أو اقتصادي الاقتراض من الأسواق المالية بفوائد عالية جداً، وهذه الفوائد كانت عرضة لانتقاد البنك الدولي نفسه".
وأضاف الدكتور فضل الله "خلال التسعينات كانت نسبة الفوائد المقبولة تساوي ضعفين أو ثلاثة أضعاف، وهو ما راكم زيادة الدين العام من 15 مليارا الى 20 مليار دولار، وهذه الزيادة جعلت من المستحيل السيطرة على نمو هذا الدين".
وأشار فضل الله إلى "فشل الدولة في ضبط الانفاق حسب المعدلات المطلوبة"، وخصوصا أن "الحكومة لم تتّبع سياسة زيادة الايرادات التي تتناسب مع قدرات الشرائح الاجتماعية المختلفة، ولم تعمد الى اصلاح النظام الضريبي أو الى زيادة حصيلة الضرائب الذي لم يطل حتى الآن العديد من الجهات الاقتصادية المقتدرة مثل الشركات الكبرى التي تعتبر وكأنها شبه معفاة من الضرائب، وهذا بالتالي قلّل حصيلة الايرادات الشرعية للحكومة".
واعتبر الدكتور فضل الله أن "هذه الأسباب أدت الى استمرار ارتفاع معدلات الدين العام"، مؤكدا أنه "من المستحيل اليوم ضبط هذا الارتفاع الا اذا أعادت الحكومة النظر في استراتيجياتها المالية ككل"، وشدد الدكتور فضل الله على "أن لا رفع أسعار البنزين، ولا الزيادة على الـ TVA قادران على زيادة ايرادات الدولة".
أما بالنسبة إلى الحل في هذا الموضوع، فأشار الدكتور فضل الله إلى أن "الكلام عن حل فوري أو تقني غير موجود واقعا"، مضيفا أن "الكلام ممكن عن حل له جانبان تقني واقتصادي"، أما بالنسبة للجانب التقني فيتلخص بالتالي:
1- خفض الفوائد المصرفية على سندات الخزينة.
2- القيام باجراءات ومقترحات جدية كالبرنامج الحكومي الاصلاحي الذي أعد عام 1998 ومقترحات باريس 2 و3 التي تم تقديمها لعصر النفقات ولزيادة فعالية الادارة الضريبية والايرادات، بشرطين، أولا أن لا يكون عصر النفقات على حساب محدودي الدخل والطبقة الوسطى، وثانيا ألا تكون زيادة الايرادات خارج الطبقات والفئات التي بوسعها تحمّل المزيد من الأعباء الضريبية".
اما على الصعيد الاقتصادي، فأضاف الدكتور فضل الله انه "على الحكومة والدولة اللبنانية أن يكون لها نظرة اقتصادية مختلفة، وأن تتّبع استراتيجية مختلفة، قوامها النمو الطويل الأمد على أن يكون قويا وبمعدلات عالية وثابتا ودائما"، مؤكدا أن "هذا الأمر لا يحصل بدون اعطاء اهتمام كبير بالقطاعات الاستراتيجية الأساسية وعلى رأسها القطاع الصناعي، ما سيزيد من حصيلة ايرادات الحكومة ويقلص من الوزن النسبي للدين العام على المدى الطويل، كما ينبغي استعمال السيولة المصرفية الفائضة بما يؤدي الى زيادة وتحفيز معدلات النمو بطريقة ثابتة، وبما لا يؤدي الى موجات من التضخم أو ارتفاع الأسعار".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018