ارشيف من :أخبار لبنانية
"رابطة دول الجوار العربي": خسر العرب الحوار قبل ان يبدأ
كتب مصطفى اللباد - النهار
شكلت مبادرة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بشأن إنشاء "رابطة الجوار العربي" الملمح الأساسي للقمة العربية الأخيرة في سرت، تلك التي لم تأتِ -كما هو متوقع- بجديد في أي قضية من قضايا العرب المركزية. أقامت المبادرة دنيا الإعلام العربي ولم تقعدها بعد، حيث ما زالت الانتقادات لها تتوالى، على الرغم من أن مضمونها يبدو غائباً لكثير من المتابعين العرب. أظهرت المبادرة شرخاً طولياً في المواقف العربية التي انقسمت شطرين: الأول ضم الدول المؤيدة على خلفيات متباينة وتضم كل من: الجزائر وليبيا وسوريا واليمن وقطر، أما الثاني فتزعمته السعودية ومصر وباقي الدول العربية التي عارضتها شكلاً ومضموناً. وقد تمثلت مبادرة موسى في إنشاء رابطة إقليمية للجوار العربي تربط الدول الإقليمية ودول الجامعة العربية، وتقوم على تعظيم المصالح المشتركة وتحقيق الأمن لمجمل دول الرابطة على أن تضم تركيا وايران من آسيا، والسنغال ومالي وغينيا والنيجر وتشاد واثيوبيا واريتريا وكينيا وأوغندا من إفريقيا.
يبدو ملاحظاً أن الدول الأفريقية المقترحة تجاور الدول العربية أو تقع على مجرى نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة لدولتين عربيتين هما مصر والسودان، وبالتالي فلا يفترض مبدئياً ومنطقياً إلا الترحيب بالدخول في حوار مع هذه الدول حرصاً على المصالح العربية العليا. وبالإضافة إلى ذلك يقول التقدير الموضوعي لقدرات كل دولة من هذه الدول أنها حقيقة جغرافية ولكنها لم تستطع أن تفرض نفسها كحقيقة جيوبوليتيكية كما هو متحقق في حالة كل من تركيا وإيران.
أما الدولتان الآسيويتان، تركيا وإيران، المقترح انضمامهما أيضاً فقد أصبح حضورهما في المنطقة في السنوات الأخيرة واضحاً وبشكل لا تخطئه عين، فضلاً عن الروابط التاريخية والحضارية العميقة التي تجمعهما بالدول العربية. صحيح أنه يجب عدم وضع الدولتان في سلة تقويم واحدة، لمجرد أنهما تتجاوران جغرافياً مع الدول العربية، وأن ملامح السياسة الإقليمية لتركيا تختلف عن مثيلاتها الإيرانية، ولكن القادة العرب لم يرحبوا بإعلان تركيا على لسان رئيس الوزراء طيب رجب إردوغان الذي كان حاضراً في قمة سرت قبول بلاده المبادرة بعد دقائق من إعلانها، وهو ما يثير علامات استفهام كثيرة. تمحورت الانتقادات الرافضة للمبادرة حول إيران، التي تراها دول عربية كثيرة تتمدد داخل الإطار العربي وتمسك بأوراق عربية مهمة وتوسع الفجوات بين الشعوب العربية وحكامها. واستند المعارضون لإيران إلى أن انضمامها إلى "رابطة الجوار العربي" سيقنن حضورها في المنطقة ويفتح الباب واسعاً أمام تمددها فيها.
لا يستقيم لا شكلاً ولا موضوعاً أن يتحاور العرب مع إسرائيل، التي لا تلتزم لا بالقرارات الدولية ولا بالتفاهمات التعاقدية التي أبرمتها مع السلطة الفلسطينية، ويستخرجون قرارات بالحوار غير المباشر من الجامعة العربية لتغطية العوار في المواقف الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يرفضون فكرة الحوار مع إيران.
وهكذا يزيد النظام العربي الرسمي من تعقيد أزماته لأنه يحول مبادرة "دول الجوار العربي" أداة جديدة للضغط على مواقفه ولتوسيع الفجوات القائمة بينه وبين الشعوب العربية، من حيث لم يرغب ولا يتوقع الأمين العام للجامعة العربية. إذا أرادت الدول المعارضة لمبادرة عمرو موسى أن تقنع المواطنين العرب بوجهة نظرها، كان الأفضل أن تعلن قبولها فكرة انضمام الدول الأفريقية وانضمام تركيا إلى الرابطة، وهي التي يعتبرها الكثير من العرب موازناً أمام تزايد الحضور الإيراني في المنطقة، وفي الوقت ذاته تعلن هذه الدول تحفظها عن انضمام إيران للرابطة قبل أن تضع اشتراطات لطبيعة ومقتضيات الحوار الضروري معها. أما تسفيه المبادرة التي تلحظ موازين القوى الراهنة في المنطقة، ورفضها كلياً ومن الأساس باستخدام إيران كمبرر للرفض، فمن شأنه أن يضيّع على العرب فرصة ثمينة للتحاور مع جوارهم على قاعدة مصالحهم العليا.
تغيرت الموازين في المنطقة جذرياً بعد احتلال العراق، بحيث أصبحت إيران وتركيا حقائق جيوبوليتيكية في المنطقة لا يمكن التعامل معها بدفن الرؤوس في الرمال كما حدث طوال السنوات الماضية. وهنا يثار سؤال منطقي: لماذا تقاعس العرب عن الحوار مع إيران في السنوات اللاحقة لاحتلال العراق وحتى الآن؟ خصوصاً أن التوازنات لم تكن مختلة الى الدرجة التي هي عليها الآن، وبالتالي الحوار وقتها كان أكثر مناسبة للمصالح العربية. هنا لابد من التذكير أن الانطلاق نحو احتلال العراق لم يتم إلا من الأراضي والمياه والأجواء العربية وليس غيرها، وأن تمدد نفوذ إيران في المنطقة يرجع إلى إخفاقات عربية قبل أي شيء آخر.
يقول منطق الحوار -أي حوار- أن الأطراف تتحاور لأنها غير متفقة حول عدد من المسائل، ولو كانت الأطراف المتحاورة متفقة في كل شيء لما كانت هناك بالفعل ضرورة للحوار من أساسه. كما أن الحوار -أي حوار- هو وسيلة للتأثير يستعملها كل طرف محاور للتأثير في موقف الطرف الآخر، وبالتالي، وبافتراض صحة خيار مقاطعة إيران، ما هي خيارات العرب البديلة من الحوار في التعامل مع الحضور الإيراني الكبير في المنطقة؟ تحاول الإدارة الأميركية الآن أن تفرض سقفاً متدنياً من العقوبات على إيران، ولكنها في العمق تعرف أن العقوبات ليست وسيلة تأثير فعالة في الموقف الإيراني في المدى المتوسط، وبالتالي فهي تفاضل بين صفقة مع إيران تقنن دورها الإقليمي في المنطقة أو ضربة عسكرية - تبدو مستبعدة نسبياً - لحل مشكلة ملفها النووي، وحتى الآن لم تقرر واشنطن نهائياً على أي سيناريو سترسو عليه خياراتها النهائية.
ولأن العرب، بوضعهم الراهن، غير قادرين على فرض تصوراتهم على الإدارة الأميركية، ولأنهم لا يقرأون المعطيات والمؤشرات الإقليمية والدولية، ماذا ستكون حالهم لو اتجهت الإدارة الأميركية إلى سيناريو الصفقة مع إيران؟ أليس التحاور مع إيران وهي تواجه أخطاراً وجودية محتملة أفضل كثيراً للمصالح العربية من التحاور معها وهي متغطية باعتراف أميركي بدورها الإقليمي في المنطقة؟
على العرب أن يصححوا موقفهم من مبادرة عمرو موسى، فيقبلوا بانضمام تركيا والدول الأفريقية إلى "رابطة الجوار العربي"، ويفرضوا شروطاً على الحوار مع إيران، ولكن من دون أن يرفضوا المبادرة بالمطلق كما فعلوا، فكان أن خسروا معركة الحوار... حتى قبل أن تبدأ!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018