ارشيف من :أخبار لبنانية
إسرائيل والخشية من المقاومة
راح المراقبون في المنطقة والعالم، ينظرون الى المقاومة اللبنانية بمنظار إستراتيجي، على اعتبار أنها أقوى وأفعل مقاومة عربية، قارعت الجيش "الإسرائيلي" في أكثر من منازلة ميدانياً وتعبوياً، وخرجت من هذه المنازلات، أكثر قوة وصلابة ونجاحا، بعدما استطاعت أن تجبر الدولة الصهيونية على الانسحاب من الأراضي العربية، كما حصل في جنوب لبنان عندما أقرت "إسرائيل" بهزيمتها، كما أقرت بإخفاقها في عدوان تموز عام 2006 من خلال الصمود الأسطوري لرجال المقاومة، وهي الحرب التي تُعتبر من أنجع الحروب العربية الدفاعية، والتي خاضتها قوة عربية عسكرية صغيرة، بمقاييس العدد والعدة وكبيرة بمقاييس القتال والنتائج، ضد الجيش "الإسرائيلي"، من دون أن تُكسر شكيمتها أو ينتابها الوهن .
وكان من حق المعاهد والكليات العسكرية في العالم أن تطرح أداء المقاومة اللبنانية على طلابها، كمادة مفيدة في تطوير علومهم العسكرية وتبيان أهمية الأداء النوعي في كسب المعارك والحروب، خصوصاً ان هذا الأداء شكل انعطافة كبيرة واستراتيجية في المنطقة العربية والشرق أوسطية، إذ رسم معالم واضحة لخيارات مفتوحة لأي قوة صغيرة عندما تواجه قوة كبيرة، والأكيد أن المعنيين في جيوش المنطقة استفادوا من هذا الأداء، وراحوا يطرحونه في خططهم كعقيدة عسكرية ضرورية في المعارك والحروب المحتملة، مع الأخذ بنظر الاعتبار إمكانية تطوير مثل هذا الأداء تبعاً لظروف وإمكانيات جيوشهم . ومن الواضح والأكيد، ان الدولة الصهيونية واستناداً إلى نتائج معاركها وحروبها مع المقاومة اللبنانية، وضعت هذه المقاومة بمرتبة فائقة الأهمية على جدول التحديات التي تواجهها، انطلاقاً من مسلمة حقيقة ومجربة مفادها، أن الخطر الماثل أمام الكيان يتشكل من خيارات المقاومة اللبنانية ذات البعد التحريري الإستراتيجي، وهو البعد الذي جعل "إسرائيل" تماطل وتمتنع عن الانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، حيث يرى "الإسرائيليون" في المقاومة اللبنانية قدرة عسكرية ديناميكية، بإمكانها التحول الى وضع هجومي طليعي في حال لجأ العرب أو أية دولة عربية الى انتهاج خيار التحرير للأراضي العربية المحتلة لعوامل عدة : أولها تراكم الخبرة الميدانية في مواجهة "إسرائيل"، وثانيها تمتلك هذه المقاومة قوات خاصة أو هي بمجملها قوات كوماندوز حظيت بتدريبات عالية المستوى لمختلف الظروف الميدانية والجغرافية والبيئية، وثالثها تمتلك توازناً نوعياً على مستوى التدمير وربما تكون هذه المقاومة قد امتلكت أسلحة متطورة ونوعية في طريقها لكسر هذا التوازن النوعي لصالحها .
ورابع هذه العوامل يتجسد في استمرار هذه المقاومة بزخم تصاعدي ونوعي وتحد مقابل، الأمر الذي يُحفز ويشجع على نوازع المقاومة في المنطقة، ويجعل البعض من المعنيين في السياسات العربية من جراء رفض "إسرائيل" لمبادرة السلام العربية، يميل الى خيارات التحرير عبر تحديث معدات جيشه والاستفادة من خبرة ومراس المقاومة اللبنانية المهيأة أصلاً لفكرة عملية تحرير الأرض، كإقلاع حقيقي في أجواء تبني استراتيجية التحرير ميدانياً وتحضير مستلزماتها، لاسيما بوجود ظهير مجرب في الصولة والثبات مثلما هو عليه الحال بالنسبة للمقاومة اللبنانية .
وعليه، فإن أكثر ما يقض مضاجع الدولة الصهيونية ويثير خشيتها ومخاوفها، هو النفس الإستراتيجي للمقاومة اللبنانية . وصحيح أن هذا النفس توزع على مراحل ناجحة منذ ثمانينات القرن الفائت، بيد أنه في حقيقة الأمر قد جسد إستراتيجية تواصلية لأفق منظور و بعيد المدى في آن، يلوح عالياً في لافتته عنوان تحرير الأرض، وعنوان التحرير هذا لا يفرق بين أرض فلسطينية ولبنانية وعربية، وهنا (مربط الفرس) بالنسبة ل "إسرائيل" التي أقرت في أكثر من مرة بنجاح النفس التكتيكي للمقاومة، وهي لا تريد أن تظل في دوامة من الترقب والانتظار لموعد بلوغ هذه المقاومة مداها الإستراتيجي، وهذا مايُفسر حروبها العدوانية على لبنان في كل مرة .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018