ارشيف من :أخبار لبنانية

استعاد «السلام الداخلي».. ويعترف بأن الأسد انتصر جنبلاط: سلاح «حزب الله» ليس للنقاش.. والغجر قبل شبعا

استعاد «السلام الداخلي».. ويعترف بأن الأسد انتصر 
جنبلاط: سلاح «حزب الله» ليس للنقاش.. والغجر قبل شبعا


كتب عماد مرمل - السفير  

خلال رحلة العودة من دمشق الى بيروت برفقة القياديين في حزب الله حسين خليل ووفيق صفا، أحس وليد جنبلاط بأن مكابح السيارة المصفحة التي كان يقودها قد اصابها خلل، لانه أكثر من استعمالها في المنحدرات. توتر بعض الشيء، ولكنه سرعان ما استعاد الإحساس بالطمأنينة عندما تنبه الى ان سيارة المواكبة التابعة لحزب الله تسير أمامه.
 
يروي رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي هذا «التفصيل التقني» في مسار الزيارة وهو يضحك. ولكن أبعد من الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه، كانت هذه الواقعة تفيض برمزيتها. لقد تحول حزب الله الى «صمام أمان» سياسي وشخصي لوليد جنبلاط العائد من بعيد، في مؤشر بليغ الى حجم التحولات الحاصلة في المشهد الداخلي والعلاقات بين مكوناته.

أما المصالحة مع سوريا، فقد جعلت جنبلاط منتشيا بها. لم يصالح زعيم المختارة دمشق فقط، بل نفسه وتاريخه ايضا. الزيارة الاولى كانت مجرد بداية ضرورية ولكنها لم تكن كافية بطبيعة الحال لإشباع الحنين الجنبلاطي الى العبق الدمشقي. الزيارة الثانية التي لن تكون بعيدة ستتيح لجنبلاط ان يلتقي شخصيات سورية لم يتسن له الاجتماع بها في المرة الاولى، وربما تقوده جرأته الى التجول في بعض شوارع دمشق القديمة لإعادة استكشافها بعد القطيعة الطويلة، خصوصا أن الرئيس الاسد أبلغه خلال لقائهما بأن العديد من معالمها قد تبدلت.. وتحسنت.

وترجمة لمفاعيل لقاء انهاء القطيعة مع الاسد، زار الوزير غازي العريضي امس الاول، العاصمة السورية حيث التقى اللواء محمد ناصيف وحكمت الشهابي. كما زار العريضي والسيدة نورا جنبلاط منزل الاخيرة في دمشق والذي دخل في ورشة ترميم وتأهيل استعدادا لإعادة بث الحياة فيه.

ليس صعبا على من يلتقي جنبلاط هذه الايام ان يلتقط في كلامه ومحياه الاشارات الواضحة التي تعكس «السلام الداخلي» الذي يشعر به بعد اللقاء المفصلي الذي جمعه بالرئيس السوري بشار الاسد. «همٌ شخصي وسياسي أزيح عن كاهلي». يقول زعيم المختارة وقد انشرحت أساريره.

صحيح ان الرواق الطويل الممتد أكثر من مئتي متر، الذي قطعه جنبلاط للوصول الى مكتب الرئيس السوري في قصر الشعب كان ثقيل الوطأة عليه، ومن أطول الدروب، ولكن الاستقبال الودي الذي كان في انتظاره فعل فعله سريعا. على المستوى الشخصي، يوحي رئيس اللقاء الديموقراطي ان «الكيمياء» التي كانت مفقودة مع بشار الاسد منذ سنوات، استطاعت أخيرا ان تسري بينهما. أما على مستوى الخلاصات السياسية، فلا يجد جنبلاط حرجا في ان يكون شفافا الى اقصى الحدود. يقول في هذا المجال: لقد أخبرني الرئيس الاسد انه يهوى خوض التحدي والمعارك ولا يفر من أي تحد أو معركة إذا فُرضا عليه، والصراحة تقتضي الاعتراف بأنه انتصر في معركة السنوات الخمس الماضية وتحدياتها اللبنانية والاقليمية والدولية.

يوضح جنبلاط ان الاولوية بالنسبة اليه بعد عودته من دمشق تتمحور حول تأكيد ثوابته الوطنية والقومية، وفي طليعتها التمسك بخيار المقاومة. هنا، لا يتردد رئيس اللقاء الديموقراطي في التعبير عن موقفه بشكل جلي لا يحتمل أي نوع من أنواع الالتباس او التأويل، فيؤكد انه سيركز في المرحلة المقبلة على وجوب إخراج ملف سلاح المقاومة من النقاش وسحبه من التداول كليا، منتقدا تحويله الى مادة سجال واستثمار يومي، لان ذلك ليس مجديا ولن يقود الى أي نتيجة. ويضيف بنبرة حازمة: «يطلعوا منها قصة السلاح.. هذا ليس وقتها».

وإذ يشير الى انه لن يتردد في تظهير هذا الموقف على طاولة الحوار في الجلسة المقبلة، في الخامس عشر من نيسان، إذا استدعى مسار النقاش ذلك، يلمح الى ان جدول أعمال هيئة الحوار يفترض ان يتوسع ليشمل ملفات يمكن الانجاز فيها، كالملف الاقتصادي، بدل الاصرار على موضوع السلاح الذي بات البحث فيه «بلا طعمة».

يرى جنبلاط ان المطلوب حاليا تعزيز التنسيق بين الجيش والمقاومة، «وقبل البحث في اي أمر آخر ليبادروا أولا الى تقوية الدولة بحيث تصبح جاهزة لاي مواجهة مع العدو الاسرائيلي، وبعدها نتكلم في مسألة السلاح».

وبالحزم ذاته، يتناول جنبلاط إشكالية ترسيم حدود مزارع شبعا وتثبيت لبنانيتها. برأيه، ينبغي التوقف عن إثارة هذه القضية من زاوية السعي الى إحراج سوريا والتشويش عليها، مشيرا الى ان تحديد وترسيم مزارع شبعا مرتبطان بتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، وحتى ذلك الحين يمكن ان نبدأ الترسيم مع سوريا من النقاط الحدودية الاخرى (الشمالية والشرقية) لا سيما ان الرئيس الأسد متجاوب مع هذا الطرح.

ويضيف مستدركا: ماذا عن بلدة الغجر أولا؟ ولماذا لا تنسحب اسرائيل من الجزء اللبناني المحتل منها، وكيف يمكن الرهان على الامم المتحدة التي ما زالت عاجزة حتى الآن عن تحقيق الانسحاب الاسرائيلي من نصف بلدة؟ ثم لماذا لم تأت لنا النقاط السبع (مؤتمر روما) بمزارع شبعا؟

يدرك جنبلاط ان جبل الجليد الذي ارتفع بينه وبين دمشق حتى علو شاهق خلال السنوات الخمس الماضية يحتاج الى بعض الوقت والصبر قبل ان يذوب تماما، ولكن المهم لديه ان عملية تذويبه قد بدأت.

يتوقع زعيم المختارة ان تتطور علاقته مع القيادة السورية والرئيس الاسد نحو مزيد من الدفء في المدى القريب والمتوسط، وصولا الى استعادة عصرها الذهبي، موضحا انه «ما دام الرئيس الاسد وأنا قد قررنا طي صفحة الماضي القريب والبعيد والتطلع الى المستقبل بروح إيجابية، فإن العلاقة بيننا ستتعزز تدريجيا، خطوة بعد خطوة.. المهم ان الطريق فُتحت».

ويعتقد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ان هناك فرصة جدية لبناء علاقة مميزة وسليمة مع سوريا «التي تريد من محاوريها اللبنانيين لغة واحدة في التعاطي معها»، مشيرا الى ان الملفات الثنائية بين الدولتين أصبحت في عهدة رئيس الحكومة سعد الحريري.

وفي حين ينشغل الكثيرون بالاخذ والرد حول الموقع الجديد لوليد جنبلاط وهل أصبح في 8 آذار ام ما زال يقيم في منطقة الوسط، يبدو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي من ناحيته غير معني بكل هذا النقاش، مبسطا المعادلة الى الحد الذي يجعل الكرة في ملعب غيره وليس في ملعبه. يقول جنبلاط في هذا الصدد: انا حددت ثوابتي المتعلقة بالمقاومة والعلاقة مع سوريا، وبالتالي فأنا اكون قريبا ممن يقترب منها، بمعزل عن التصنيفات القديمة.

تبقى اولوية أخرى في أجندة جنبلاط للمرحلة المقبلة، وهي متابعة الوضع الدرزي الداخلي لناحية تفعيل الاهتمام به وبشؤونه. يوضح ان البيئة الدرزية عموما تواكبه في رحلة العودة الى الخيارات الاصلية، باستثناء قلة قليلة ما زالت تزايد، وأعتقد انها ستتكيف عاجلا أم آجلا.

ولأن السيد حسن نصرالله هو صاحب الدور الحيوي والحاسم في «النهاية السعيدة» للخلاف بين دمشق وجنبلاط، فإن الاخير سيزوره في الاسبوع المقبل، لشكره على الجهود التي بذلها، وليستشرف وإياه معالم المستقبل المزدحم بالمخاطر والاستحقاقات.


2010-04-09