ارشيف من :أخبار لبنانية
في الأمن الوطني لغة واحدة
سليمان تقي الدين - "السفير"
لم تخرج لجنة الإعلام والاتصالات النيابية بموقف موحّد من الاتفاقية الأمنية الموقعة بين سفير الولايات المتحدة في لبنان والمدير العام لقوى الأمن الداخلي. أحالت الملف إلى رئيس المجلس النيابي مع أربع وجهات نظر أو آراء مختلفة.
هناك بُعدان لهذه الاتفاقية: دستوري قانوني، وأمني سياسي. في البُعدين لم تكن هناك لغة مشتركة. ما زال فريق يدافع عن شرعية الاتفاقية ويقلّل من استهدافاتها.
في الجانب القانوني من المعروف أن الصلاحيات الدستورية لا يمكن تفويضها أو التنازل عنها. كل اتفاق مهما كان موضوعه بين دولتين هو شكل من أشكال التقنين أو الانتقاص من السيادة، لأنه يجعل من الاتفاق مرجعاً لتنظيم الحقوق والعلاقات بين المتعاقدين. لذا أحاط الدستور هذه الاتفاقات بإجراءات خاصة وأعطى رئيس الدولة صلاحية التفاوض ثم الإقرار بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وألزم عرض الاتفاق على المجلس النيابي للتصديق عليه. لا شرعية لأي اتفاق لا يسلك هذا المسار ولا ينتج مفاعيله بين الطرفين لأنه يخالف في الشكل نظام التعبير عن السيادة، ويخالف في المضمون حقوقاً وواجبات ينص عليها تشريع البلد فيقوم بتعديلها ضمناً بالتعاقد الذي يغيّر الواقع القانوني للمعنيين بالاتفاق. وفي الاتفاقية الأمنية الكثير من البنود التي تطاول حقوق اللبنانيين في احترام حرياتهم وخصوصياتهم وتنتهك المعايير والقواعد المعتمدة للتوظيف والتأهيل والترقية والصرف من الخدمة وتسلسل الإمرة ووسائلها ومراقبة وتفتيش عمل المؤسسات الأمنية. مجرّد أن تلامس الاتفاقية هذه الموضوعات والعناوين تنتهك حقوق اللبنانيين وتحتاج إلى سلوك طريق الإقرار الدستوري من رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور إلى الحكومة المولجة تنفيذ القوانين، إلى المجلس النيابي صاحب الصلاحية في تمثيل السيادة الشعبية. بهذا المعنى فالاتفاقية معدومة من حيث صدورها عن سلطة غير صاحبة صلاحية وصفة، ومعدومة لأن ما ترتبه من نتائج يخالف الدستور في إدارة السلطة السيادية وتطبيق أحكامه والقوانين الداخلية المنبثقة عنه من دون سواها. لأنه أيضاً من المعروف أن المعاهدات تعلو على جميع النصوص الداخلية رتبة وإلزاماً.
أما الجانب الأمني والسياسي من تلك الاتفاقية ومضمون بنودها فقد صار عنها حديث طويل لجهة تحصيل المعلومات الأمنية أو المدنية والتصرف بها من طرف خارجي من دون مراعاة لقانون الاتصالات اللبناني وأحكامه، أو لجهة السلطة المعطاة لهذا الطرف الخارجي في التوجيه والإعداد والتدريب والإشراف والمراقبة وبالتالي ممارسة مهام المؤسسة الأمنية المعنية، الأمر الذي يخرق السيادة من باب القوانين المعمول بها في هذه الإدارة، ويخرق السيادة من باب التأثير الأمني في توجيه عمل هذه المؤسسة سواء لكيفية قيامها بوظيفتها أو طبيعة الأهداف الأمنية التي تحدّدها الدولة لهذه المؤسسة.
عند هذا الحد يجب أن يتوقف الجدل واعتبار هذه الاتفاقية معدومة في الشكل والمضمون وتترتب عنها مسؤوليات في خرق الدستور واغتصاب السلطة، فضلاً عن المسؤوليات الأخرى الجرمية العادية لجهة الإخلال بالواجبات الوظيفية وتسهيل ارتكاب التنصت غير المشروع وإفشاء أسرار الدفاع الوطني وخرق قانون الوظيفة. إذا كان الأمر كذلك فعلى رئيس المجلس النيابي أن يرد اقتراحات لجنة الإعلام والاتصالات ويؤلف لجنة تحقيق برلمانية لدرس هذه المخالفات وإعلان عدم تمتع الاتفاقية بالكيان القانوني، وبالتالي رد الحال لما كان عليه قبلها عملاً بالقاعدة الكلية: إن البطلان ينتج مفاعيل لاغية للواقع الباطل.
لكننا نستدرك للقول إن ما حصل في السنوات الخمس الماضية لم يكن مجرّد انحراف سلطوي عادي وتجاوز على القانون والدستور، بل هو مشروع سياسي أخذ البلاد من ضفة إلى أخرى وهشّم المؤسسات الدستورية وهيبة الدولة ومرجعيتها. بهذا المعنى يجب محاكمة الاتفاقية الأمنية سياسياً واعتبار الموقف منها أساساً لمراجعة الخيارات التي سبقت حكومة الوحدة الوطنية. فهل ما زالت النظرة ذاتها إلى سياسة لبنان الخارجية والدفاعية ووظيفة المؤسسات الأمنية أم أننا فتحنا صفحة جديدة أساسها التوافق على دور لبنان وموقعه ومهام الدولة فيه.
طبعاً لسنا ننكر أن محاولة ربط لبنان بالخطة الأميركية قد انحسرت لدى قوى سياسية عدة، وأن البيان الوزاري قد أرسى نقاط ارتكاز مشتركة تحفظ الحد الأدنى من المواقف الوطنية الموحدة تجاه التحديات الخارجية وكيفية التعامل معها. غير أن تجاوز المرحلة السابقة من الانقسام الوطني يحتاج إلى إزالة الكثير من الإجراءات التي ما زالت مفاعيلها قائمة في جسم الدولة والمجتمع. فهل نبدأ بالتحدث بلغة واحدة!؟
لم تخرج لجنة الإعلام والاتصالات النيابية بموقف موحّد من الاتفاقية الأمنية الموقعة بين سفير الولايات المتحدة في لبنان والمدير العام لقوى الأمن الداخلي. أحالت الملف إلى رئيس المجلس النيابي مع أربع وجهات نظر أو آراء مختلفة.
هناك بُعدان لهذه الاتفاقية: دستوري قانوني، وأمني سياسي. في البُعدين لم تكن هناك لغة مشتركة. ما زال فريق يدافع عن شرعية الاتفاقية ويقلّل من استهدافاتها.
في الجانب القانوني من المعروف أن الصلاحيات الدستورية لا يمكن تفويضها أو التنازل عنها. كل اتفاق مهما كان موضوعه بين دولتين هو شكل من أشكال التقنين أو الانتقاص من السيادة، لأنه يجعل من الاتفاق مرجعاً لتنظيم الحقوق والعلاقات بين المتعاقدين. لذا أحاط الدستور هذه الاتفاقات بإجراءات خاصة وأعطى رئيس الدولة صلاحية التفاوض ثم الإقرار بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وألزم عرض الاتفاق على المجلس النيابي للتصديق عليه. لا شرعية لأي اتفاق لا يسلك هذا المسار ولا ينتج مفاعيله بين الطرفين لأنه يخالف في الشكل نظام التعبير عن السيادة، ويخالف في المضمون حقوقاً وواجبات ينص عليها تشريع البلد فيقوم بتعديلها ضمناً بالتعاقد الذي يغيّر الواقع القانوني للمعنيين بالاتفاق. وفي الاتفاقية الأمنية الكثير من البنود التي تطاول حقوق اللبنانيين في احترام حرياتهم وخصوصياتهم وتنتهك المعايير والقواعد المعتمدة للتوظيف والتأهيل والترقية والصرف من الخدمة وتسلسل الإمرة ووسائلها ومراقبة وتفتيش عمل المؤسسات الأمنية. مجرّد أن تلامس الاتفاقية هذه الموضوعات والعناوين تنتهك حقوق اللبنانيين وتحتاج إلى سلوك طريق الإقرار الدستوري من رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور إلى الحكومة المولجة تنفيذ القوانين، إلى المجلس النيابي صاحب الصلاحية في تمثيل السيادة الشعبية. بهذا المعنى فالاتفاقية معدومة من حيث صدورها عن سلطة غير صاحبة صلاحية وصفة، ومعدومة لأن ما ترتبه من نتائج يخالف الدستور في إدارة السلطة السيادية وتطبيق أحكامه والقوانين الداخلية المنبثقة عنه من دون سواها. لأنه أيضاً من المعروف أن المعاهدات تعلو على جميع النصوص الداخلية رتبة وإلزاماً.
أما الجانب الأمني والسياسي من تلك الاتفاقية ومضمون بنودها فقد صار عنها حديث طويل لجهة تحصيل المعلومات الأمنية أو المدنية والتصرف بها من طرف خارجي من دون مراعاة لقانون الاتصالات اللبناني وأحكامه، أو لجهة السلطة المعطاة لهذا الطرف الخارجي في التوجيه والإعداد والتدريب والإشراف والمراقبة وبالتالي ممارسة مهام المؤسسة الأمنية المعنية، الأمر الذي يخرق السيادة من باب القوانين المعمول بها في هذه الإدارة، ويخرق السيادة من باب التأثير الأمني في توجيه عمل هذه المؤسسة سواء لكيفية قيامها بوظيفتها أو طبيعة الأهداف الأمنية التي تحدّدها الدولة لهذه المؤسسة.
عند هذا الحد يجب أن يتوقف الجدل واعتبار هذه الاتفاقية معدومة في الشكل والمضمون وتترتب عنها مسؤوليات في خرق الدستور واغتصاب السلطة، فضلاً عن المسؤوليات الأخرى الجرمية العادية لجهة الإخلال بالواجبات الوظيفية وتسهيل ارتكاب التنصت غير المشروع وإفشاء أسرار الدفاع الوطني وخرق قانون الوظيفة. إذا كان الأمر كذلك فعلى رئيس المجلس النيابي أن يرد اقتراحات لجنة الإعلام والاتصالات ويؤلف لجنة تحقيق برلمانية لدرس هذه المخالفات وإعلان عدم تمتع الاتفاقية بالكيان القانوني، وبالتالي رد الحال لما كان عليه قبلها عملاً بالقاعدة الكلية: إن البطلان ينتج مفاعيل لاغية للواقع الباطل.
لكننا نستدرك للقول إن ما حصل في السنوات الخمس الماضية لم يكن مجرّد انحراف سلطوي عادي وتجاوز على القانون والدستور، بل هو مشروع سياسي أخذ البلاد من ضفة إلى أخرى وهشّم المؤسسات الدستورية وهيبة الدولة ومرجعيتها. بهذا المعنى يجب محاكمة الاتفاقية الأمنية سياسياً واعتبار الموقف منها أساساً لمراجعة الخيارات التي سبقت حكومة الوحدة الوطنية. فهل ما زالت النظرة ذاتها إلى سياسة لبنان الخارجية والدفاعية ووظيفة المؤسسات الأمنية أم أننا فتحنا صفحة جديدة أساسها التوافق على دور لبنان وموقعه ومهام الدولة فيه.
طبعاً لسنا ننكر أن محاولة ربط لبنان بالخطة الأميركية قد انحسرت لدى قوى سياسية عدة، وأن البيان الوزاري قد أرسى نقاط ارتكاز مشتركة تحفظ الحد الأدنى من المواقف الوطنية الموحدة تجاه التحديات الخارجية وكيفية التعامل معها. غير أن تجاوز المرحلة السابقة من الانقسام الوطني يحتاج إلى إزالة الكثير من الإجراءات التي ما زالت مفاعيلها قائمة في جسم الدولة والمجتمع. فهل نبدأ بالتحدث بلغة واحدة!؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018