ارشيف من :أخبار لبنانية
شاهد الزور يستحضر عبارات مغترب استخباراتي مقيم في أوروبا بلا أية تعديلات!
نبيل هيثم، السفير
قبل ان يجف حبر المقابلة المنسوبة الى القيادي العشريني في تنظيم القاعدة صالح القرعاوي، أُلحِقت بمقابلة منسوبة الى محمد زهير الصديق احد ابرز المسجلين على لائحة «شهود الزور» في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولعل المشترَك في المقابلتين اياهما إلقاء مسؤولية اغتيال الرئيس الحريري على «حزب الله».
واذا كانت المقابلة الاولى قد قامت على بناء لغوي خفيف، قدم القرعاوي برغم صغر سنه كأحد العارفين بتفاصيل السياسة اللبنانية ودقائقها، فإن المقابلة الثانية استحضرت محمد زهير الصديق من خفائه المجهول وادخلته الى المسرح اللبناني خبيرا في السياسة اللبنانية وصاحب مواقف، يعطي رأيه في السياسة وفي السياسيين وفي المقاومة، ويتمتع بقدرة عالية على قراءة كفّ المستقبل، عارفا سلفا بوجهة القرار الاتهامي الذي «سيكون زلزالا اقوى بعشرة اضعاف من الجريمة»، كما ورد حرفيا في تلك المقابلة. وفوق ذلك قدمته «جريئا» على الرئيس سعد الحريري رافعا «الكلفة» معه: «أنت رئيس حكومة كل لبنان (توصيف لبناني صرف)، ولك أن تقرر وتفعل ما شئت، لكن رفيق الحريري ملك الملايين من المسلمين السنة ومن الشرفاء من جميع الطوائف والمذاهب..
وحتى لو سامحت فإن المحكمة لن ترحم مرتكبي الجريمة»!.
ثمة ما ينبغي ملاحظته في شكل المقابلة ومضمونها وتوقيتها:
- اولا: نزول الصحيفة الكويتية نفسها، مجددا إلى ساحة الجريمة، علما ان هذه الصحيفة هي واحدة من مؤسسات إعلامية أربع (السياسة، لوفيغارو، ديرشبيغل، لوموند)، التي تحدث السيد حسن نصرالله في مقابلته الأخيرة، عن دورها في نسج روايات حول اغتيال الحريري، وفي وضع سيناريوهات مستقبلية تنتهي بتوجيه اصابع الاتهام الى «حزب الله».
- ثانيا: اعلان السياسة الكويتية، في متن «المقابلة» مع الصديق ان محمد زهير الصديق اصبح موجودا في دولة اوروبية آمنة، ولكن من دون ان تثبت ذلك، ومن دون أن تحدد متى غادر دولة الامارات العربية المتحدة، التي امضى فيها عقوبة سجن لستة اشهر بتهمة الدخول غير الشرعي، وبجواز سفر مزوّر، ومن دون ان تكشف كيف غادر الامارات وبأية وسيلة، سواء اكانت برا او بحرا او جوًّا، او حتى سباحة او سيرا على الاقدام، ومن دون ان تكشف كيف دخل الى تلك الدولة الاوروبية، سواء دخل خلسة او بجواز سفر؟
- ثالثا: ان التمعـّن في مضمون المقابلة المنسوبة الى الصديق، يكشف انها معدّة بطريقة تبيّن بما لا يقبل الشك ان الاسئلة المطروحة فيها تؤسس لاجوبة مطلوبة!
- رابعا: ان الصحيفة الكويتية اعادت ترفيع الصديق الى رتبة ضابط سابق في الاستخبارات السورية، ولكن من دون ان تذكر من منحه النجوم!
- خامسا: ان المقابلة من حيث توقيتها ومضمونها في آن معا، تحتمل ان يقال عنها انها وردت بعد نحو اسبوعين على مقابلة السيد حسن نصرالله، وكأنها رد متأخر على كلام «السيد»، ومحاولة لإطلاق اتهامات «معدّلة بعض الشيء» وتشكل عودا على بدء، فتتهم سوريا مجددا باغتيال الشهيد الحريري كما تعيد اتهام الضباط الأربعة، و«الكثير من السياسيين اللبنانيين والسوريين المتورطين في الجريمة « على ما ورد في المقابلة، وصولا إلى «حزب الله» والزعم بتورّط كوادر منه بالاغتيال.
سادسا: ما تقدّم يستبطن محاولة لتمهيد المسرح الداخلي لأمر ما، تلوح تباشيره مع العودة الى استحضار المنطق الاتهامي السابق لسوريا وللنظام الامني اللبناني السوري المشترك وللضباط الاربعة مجددا والقول بانهم ما يزالون في دائرة الاتهام الاكيد. وقد بدأ هذا المنطق يطل برأسه مجددا، بالتوازي مع عودة فريق التحقيق الدولي الى استحضار شهود المرحلة الصديقية والاستماع اليهم مجددا وبينهم من ارتبط اسمه بشقة حي معوّض وغيرها.
ما يستوجب الالتفات اليه في المقابلة المنسوبة الى الصديق، انها لا تقدم متنا صلبا يقوي حجة المنسوب اليه اي الصديق، او على الاقل يقلل من حجم الشبهات التي تدورحوله. بل ان الاساس في تلك المقابلة، هو محاولة اعادة الاعتبار الى اقوال الصديق وما افاد به للرئيس السابق للجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس على انه الحقيقة بعينها. علما ان القاضي الالماني نفسه سبق له ان وصف محمد زهير الصديق بالمشتبه فيه. والامر نفسه بالنسبة الى خلفه القاضي سيرج براميرتز الذي وصف الصديق بالكاذب ولم يعط قيمة لاقواله.
ما من شك ان المقابلة الصديقية جثمت بثقلها على الواقع السياسي اللبناني، ومحاولات تشريحها وسبر اغوارها متسارعة على قدم وساق في العديد من الصالونات والمجالس السياسية. وتتفق الخلاصات في معظمها على ضعف مضمون المقابلة، الا ان ذلك يخفي حتما امرا قد يشكل مقدمة للدخول الى بازارات ستفتح حول المحكمة.
وفي المقابل، يرفض «حزب الله» المعني المباشر والاساسي بالمقابلة الدخول على الخط حتى اشعار آخر، ولا يسقط من حسبانه ان «خيالا خصبا يعمل بأقصى طاقته»، ومع ذلك قرر ان يقرأ وان يسمع وان ينتظر.
ولكن ما لم يقله «حزب الله»، اكده مرجع قانوني وجد في العودة الى الصديق محاولة لتسخيف المحكمة والاساءة الى مصداقيتها. غير ان مرجعا سياسيا رأى ان المقابلة المنسوبة الى محمد زهير الصديق ليست موجهة الى الداخل اللبناني بقدر ما هي موجهة بشكل محدد الى المحكمة الدولية، وتستبطن محاولة واضحة للايحاء للمحكمة بجديد يمتلكه الصديق حول «حزب الله» تحديدا، ومن ثم جرّها الى استدعائه مجددا للتحقيق، والادلاء بافادة تلبي السيناريوهات الدراماتيكية التي وضعتها السياسة الكويتية و«ديرشبيغل» و«لوموند» و«لوفيغارو»... والتي تقوم على اتهام «حزب الله « وهنا بيت القصيد.
ويقول خبير سياسي لبناني عتيق ان معضلة الصديق أنه لجأ الى الشخصية اللبنانية نفسها المقيمة في الخارج، أو أن الشخصية المذكورة ألبست الصديق خطابها نفسه الذي صار كثيرون يعرفونه عن ظهر قلب.. ولمن يريد أن يتسلى عليه أن يراجع آخر مقابلة للشخصية المذكورة المقيمة في أوروبا.. وكذلك أول اطلالة له، بعد الآن، وعندها لن يكون صعبا التعرف على شخص واحد يقول ان القرار الاتهامي «سيكون زلزالا أقوى بعشرة اضعاف من زلزال الجريمة» و«هناك رؤوس كبيرة بدأت ترتجف من الآن» وغيرها من العبارات التي يرددها شخص صار يصح القول عنه إنه «مغترب استخباراتي» ويحتاج إلى تجديد أرشيفه السبعيني والثمانيني ويبدأ اسمه بحرف....
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018