ارشيف من :أخبار لبنانية

تهديدات إسرائيل والأذن الأميركيّة

تهديدات إسرائيل والأذن الأميركيّة
كتب يحيى دبوق - الاخبار

يصعب التحديد ما إذا كان حزب الله قد تلقّى بالفعل، أو إذا كان يريد في الأساس، صواريخ سكود من سوريا. كما أيضاً، يصعب النفي إذا كان يريد هذه الصواريخ، أو أنه بالفعل حصل عليها. يبقى كل ما يرتبط بمسائل الجهوزية العسكرية للمقاومة شأناً خاصاً جداً، ومحظوراً على الاطلاع، عدا أنه لا يمكن الوصول إلى معطياته. لكن ما يمكن تأكيده وعدم نفيه، أن الضجة الإسرائيلية المثارة، بناءً على خبر نشرته صحيفة «الرأي» الكويتية، وحجم التصريحات الإسرائيلية والتغطية الإعلامية غير المسبوقة نسبياً، جاءت لافتة جداً.

قبل وصول السكود إلى حزب الله، على فرض وصوله، تحدث تقرير لمجلة «جينز» البريطانية، قبل فترة غير بعيدة، عن قدرات عسكرية جديدة باتت في حوزة المقاومة، وهي صواريخ إيرانية الصنع من نوع فاتح 110. ورغم أن هذه الصواريخ أكثر تطوراً ودقة من صواريخ سكود، شبه البدائية، إلا أن تل أبيب فضّلت في حينه الصمت وعدم التعليق، بل فضلت الصمت أيضاً، رغم تأكيد قيادة المقاومة تأكيداً غير مباشر امتلاك هذا النوع من الصواريخ، وتأكيد وجود الإرادة والنية لاستخدامها رداً على اعتداءات كانت تهدد بها لبنان.

في موازاة الضجة، أكد عدد من المعلّقين الإسرائيليين أن وجود صواريخ سكود في حوزة المقاومة، لا يزيد على قدراتها قدرات إضافية، وخاصة أن هذه الصواريخ، ونتيجة لخصائصها ولميزاتها الصعبة، قد تشكّل أثقالاً على المقاومة، وهي من القدرات العسكرية التي قد لا تكون مطلوبة أساساً، في ظل ما يحوزه حزب الله من قدرات، أكثر تطوراً وأكثر دقة.

مع ذلك، شددت إسرائيل، كما يشير ضابط رفيع المستوى إلى صحيفة معاريف قبل أيام، على أن «الضربة العسكرية للقوافل التي نقلت صواريخ السكود، كانت وشيكة جداً»، بل إن معلقين إسرائيليين آخرين تبنّوا ما ورد في رواية «سكود» الابتدائية، وحسب هؤلاء «فضّلت إسرائيل المعالجة الدبلوماسية في آخر لحظة».

لتصويب المسائل، ومنعاً من الوقوع في اشتباه تريده إسرائيل، يُفترض إعادة التذكير بإمكانات المواجهة بين المقاومة والجيش الإسرائيلي، والإشارة إلى ما يحكم إقدام تل أبيب أو إحجامها عن تنفيذ اعتداءات على لبنان... إذ قبل «واقعة السكود»، وبحسب مصادر عسكرية، كما أوردت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي قبل أسبوعين، «ما تجمّع في الجانب الثاني (وسائل قتالية)، أوجد ردعاً متبادلاً بين الجانبين، والحكومة الإسرائيلية تفضّل عدم التحرك وتجنّب أي مواجهة» مع حزب الله. بل إن التعليقات الإسرائيلية في سياق الضجة الأخيرة، شددت أيضاً على أن واقعة الامتناع عن ضرب قوافل السكود، جاءت في أعقاب دراسة الثمن وتقدير رد فعل الطرف الآخر، وهو إقرار غير مباشر بوجود صعوبة لدى متخذ القرار في تل أبيب، بتجاوز الأثمان الممكن أن يدفعها جراء الاعتداء.

رغم إدراك تل أبيب حجم تهديد قدرات حزب الله عليها، إلا أنه لا مصلحة لها في هذه المرحلة بمواجهة عسكرية مع الحزب، أو أي فعل اعتدائي من شأنه أن يجر إلى المواجهة معه، ويشهد على ذلك مرور نحو أربع سنوات على الحرب، من دون حراك فعلي مباشر ضد المقاومة... فحسابات الربح والخسارة والأثمان المقدّر دفعها، والتي باتت كبيرة جداً في هذه المرحلة، هي التي تحكم متخذي القرارات في تل أبيب، وتمنع ترجمة الحوافز إلى اعتداءات على لبنان.

ضمن هذا المعنى، إن كانت واقعة السكود حقيقية، فإن «تفضيل» إسرائيل الامتناع عن توجيه ضربة عسكرية، قالت مصادرها الأمنية إنها «كانت وشيكة»، يعني إعادة تأكيد واقع الارتداع الذي يحكم متخذ القرار في تل أبيب حيال حزب الله. أما إذا كانت الواقعة غير صحيحة، فهذا يشير إلى مدى اليأس الذي تغلغل إلى الوعي الإسرائيلي، ما يدفع إلى استخدام تقرير صحافي كفرصة لرفع الصوت عالياً، للضغط على منابع القدرة لدى المقاومة بوسائل غير عسكرية... وهي ضجة، لا يُستبعد أن تكون موجّهة إلى الأذن الأميركية، على قاعدة «امسكوني» قبل أن أجّر المنطقة إلى مواجهة شاملة.

في هذه الحالة، تبدو إسرائيل عام 2010، حيال سوريا وحزب الله، شبيهة بحالة الولايات المتحدة عام 2003، حيال العراق.
 
في حينه، كانت واشنطن مضطرة إلى إيجاد وتأسيس «قضية» تكون هي العنوان من أجل غزو العراق، ما دفعها إلى الحديث عن أسلحة دمار شامل وارتباط بغداد بتظيم القاعدة والخطر الذي يمثّله النظام العراقي على الأمن القومي الأميركي. في حالة إسرائيل الحالية، فإنها تقوم بتهيئة «قضية» شبيهة ضد سوريا وحزب الله، من ضمنها الحديث عن تسليح غير مسبوق لحزب الله بأسلحة لا تتوافق مع كونه تنظيماً لا دولة، بما يهدد الأمن القومي لإسرائيل، ومن هنا تأتي أهمية مفردة «سكود»، نظراً لما تحمله الكلمة من معان رمزية في الوعي الغربي تحديداً، المراد تأسيس «القضية» الإسرائيلية لديه...
 
إلا أن الفرق بين الجانبين هو أن الولايات المتحدة كانت بالفعل قادرة وتريد، ومتوثّبة لغزو العراق، وكل ما كانت تريده هو إيجاد «قضية» ما لتحقيق ذلك، إلا أن إسرائيل في واقعها الحالي، وضمن ميزان القدرة بينها وبين المقاومة، غير قادرة ولا تريد المواجهة، بل تتهرب منها، كما تؤكد مصادرها المختلفة، ما يشير إلى أن كل ما تريده هو «القضية والظرف» ولذاتها حصراً في هذه المرحلة، أملاً في تحريك «المجتمع الدولي» وتحديداً إدارة الرئيس باراك أوباما، ضد سوريا، في ظل ما ترى أنه تسوية ما غير مباشرة بدأت تتحقق بين دمشق وواشنطن، ستخرج منها تل أبيب خاسرة، ومن دون أي فوائد تذكر حيال أعدائها.
2010-04-19