ارشيف من : 2005-2008

السجال السياسي الداخلي بين منطق السلطة ومنطق الدولة

السجال السياسي الداخلي بين منطق السلطة ومنطق الدولة

السياسية الطبيعية في الأحوال العادية.‏

ـ تعبير عن أزمة، وأحياناً تمويهاً لها، كما يحدث في الأوقات التي تضطرب فيه الأمور وتتباين الخلافات إلى حدود التناقض الذي لا يقبل الحلول الوسط.‏

وهو تمويه لها أحياناً، لأنه يراد من السجال أن يكون بديلاً أو ستراً لأمور لا يمكن قولها مباشرة. وفي كلا الحالين، فإن السجال بهذا المعنى هو أشبه بجرس الإنذار الذي تدقه حرارة المريض المرتفعة، داعية إياه الى الإسراع في الذهاب إلى الطبيب.‏

ـ أداة من أدوات الصراع والكباش الذي يدور، وبالتالي يمكن عدّه محاولة من كل طرف ليظهر ما عنده من مواقف واستعدادات وقابليات وأوراق قوية، ما يحوله خطوة ضرورية على مسار محكوم في النهاية بتسوية لا بد منها، ذلك أن خوض غمار السياسية بمنطق: إما.. أو والثبات عنده، يعني فقط الخروج من منطق السياسة الى منطق الاقتتال العسكري، ما يعني فعلياً موت السياسة لمصلحة الحرب الداخلية.. وهنا تحديداً تكمن مسؤولية الذين يرفضون الحوار الفعلي ويقفلون أبواب التغيير. والأخطر هنا، أن تعطيل السياسي هو اعلان صريح عن تعطيل الاجتماعي وإحداث هوة عميقة بين الاثنين هنا، تحديداً تكمن فلسفة المطالبة بإحداث تغيير حكومي (توسيع ما هو موجود ـ حكومة جديدة).. المطالبة هنا لجعل الواقع الحكومي أكثر محاكاة للواقع الاجتماعي بما هو واقع موزع على قوى وتيارات وحركات وتنظيمات سياسية ونقابية وثقافية متنوعة، فهذه المحاكاة وحدها تتيح التوازن السياسي المطلوب، الذي بدوره من شأنه ان يعيد ترتيب التوازن الاجتماعي للعلاقة الجدلية التي تحكم الاجتماعي بالسياسي. في المقابل فإن أي إصرار على إبقاء الانتظام الحكومي (بما هو التعبير الأبرز للانتظام الاجتماعي في السلطة) مختلاً لمصلحة فئة دون أخرى، مهما كانت طبيعة هذه الفئة وحجمها، سيعني حتماً إبقاء جذوة الاضطراب الاجتماعي قائمة. وتزداد خطورة هذا الاضطراب عندما يكون الانتظام الاجتماعي ـ كما هو في لبنان ـ قائماً على انتظام طوائفي، بما يكسب أي اضطراب داخلي معنى طائفياً هو الطريق الأسرع نحو الاحتراب الداخلي. أضف الى ما تقدم، ان إبقاء الاختلال السياسي قائماً بكل مترتباته الاجتماعية يحول الانتظام الحكومي الى انتظام سلطوي، ما يبعده بالتالي عن منطق الدولة. في حين أن الحضور الاجتماعي بتوازناته العامة في الحكومة يجعل إمكانات بناء الدولة بما هي شأن عام أكبر بكثير، لأن من طبيعة منطق السلطة أنه يحيل الى الأنا الخاص، في حين تتطلب الدولة منطق "الثمن"، وفي ظل منطق الاستئثار لا يمكن الكلام إلا عن "الأنا" (سواء بمعناه المذهبي أو الحزبي أو الشخصي.. إلخ). كما أن منطق السلطة والاستئثار يضع السلطة نفسها في مقابل المجتمع كله أو بعضه لا فرق، وغالباً كله لأن من يكون عادة مع صنف كهذا من السلطة، فإنما يكون لأغراض خاصة، تفعل فعلها فيه، بفعل ثقافة وقيم التسلط نفسها التي تقيم وجود على نزعة: أنا أو لا أحد، وحرب الكل ضد الكل. في مناخات كهذه، يصبح طبيعياً أن لا تتمكن السلطة من بلورة نفسها في دولة، وأن لا تتحول الى قوة حماية للمجتمع، وإنما تكتفي بحماية نفسها ومصالحها ومصالح من تمثل، ولذا أسهل عليها أن تكون رهبته للخارج، لأنها عندما لا تجد توازنها في الداخل فإنها بغريزة حسب البقاء، تندفع للبحث عنه في الخارج.‏

لكل ما تقدم، فإن مطلب إحداث تغيير حكومي هو مطلب جوهري، لأنه يعني كل ما تقدم، أي يعني أولاً إعادة الاعتبار لبناء الدولة السيدة التي ليست مضطرة للاتكال على الخارج لتوازن وجودها ودورها، وثانياً لإعادة الاعتبار للاستقرار الاجتماعي وإخراجه من متاهات الاضطراب، والدفع به نحو هاوية الاحتراب الطوائفي.‏

لكن من يرفض هذا كله انما يصر على رفع شأنية السلطة لديه على شأنية الدولة، وعلى الاستقواء بالخارج على الداخل، وعلى إبقاء حال الاضطراب الاجتماعي سائدة، بل يعيش عليها.‏

في هذا الاطار يكفي التأمل في خطابات الفترة الأخيرة: خطاب سماحة الأمين العام في ذكرى الانتصار وخطابات ردود الفعل عليه: الأول قدم قراءة سياسية واضحة، أعاد تعريف العدوان أسباباً ونتائج، وخرج ليقدم برنامجاً سياسياً بعنوانين أساسيين: حكومة وحدة وطنية، وقانون انتخابات عادل يمهد لانتخابات نيابية جديدة.‏

كيف جاءت الردود؟ جاءت شخصية تجييشية، تعيد الاعتبار للمذهبي والطائفي، بل وتستنجد بهما، ترفض الحوار الجاد، تقفل النوافذ ولا تقدم الا لغة اتهامية هي أقرب الى السباب. هذا هو منطق السلطة، بل منطق الاستئثار بها، لأن السلطة لا تريد إلا نفسها، فهي لا تبالي بأي منطق، ولا تبالي بأي حجة، ولا تبالي الى أين يمكن أن تقود لغتها التجييشية المذهبية والطائفية، ما دامت هذه تقدم لها خط دفع أساسيا وإن يكن خطيراً عن وجودها، والأدهى من ذلك لأن جشع السلطة يعمي البصيرة، فهؤلاء لا يشكل لهم التاريخ موئلاً لاعتبار، وعبر التاريخ تقول انه لا بد في النهاية من تسويات، فبدلاً من أن نذهب باكراً الى حلولٍ توفر على نفسها وعلى الناس كلفة صراعات مضيئة، فإنها تركب رأسها، مدفوعة بغرور أو وهم قوى مستعارة، لن تفيدها شيئاً لحظة تبين الحقيقة، مصرة على منطق: كل شيء.. أو لا شيء.‏

والأخطر في سلوكيات جشعي السلطة في لبنان يكمن في وضعهم خيار حكومة الوحدة الوطنية مقابل خيار نزع سلاح المقاومة، مع إدراكهم التام ان المطلب الآخر وان حاولت السلطة تلبيسه صورة المطلب الداخلي، انما هو مطلب للخارج، وللعدو أصالة وتوكيداً. وهي بذلك، انما تعيد تعريف نفسها كسلطة تعمل لمصلحة الخارج، ولمصلحة العدو شاءت أم أبت. والتعريف هنا هو الثمن المطلوب مقابل منحها حق الحياة والاستمرار بقوة الخارج، لا بأسباب الداخل. انما معادلة غير موفقة لن تحمي السلطة الجشعة، بل هي ضدها بامتياز.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ العدد 1182ـ 29 أيلول/ سبتمبر 2006‏

2006-09-29