ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يُضبط الخطاب حول السلاح على ساعة طاولة بعبدا؟
عماد مرمل، السفير
أثبتت طاولة الحوار حتى الآن، انها طاولة تفعل كل شيء إلا الحوار بمعناه العلمي الدقيق. هي على الارجح طاولة النيات المضمرة والكمائن المستترة والمناورات المتبادلة والاحكام المسبقة والمفاهيم المتناقضة. هي طاولة مفاوضات بين دول، وليست بالتأكيد طاولة «حوار أهلي»، ولعل الدور الاصعب يؤديه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي يجد نفسه مضطرا في كل مرة الى استعمال خبرته في قيادة كاسحات الالغام، من أجل الخروج من الجلسات بأقل الخسائر الممكنة.
ربما كان يجب من الاساس التعامل مع هذه التجربة ووظيفتها بواقعية شديدة، فلا تُحمّل أكثر مما تحتمله ولا يُنتظر منها ما يفوق طاقتها. ولعل المشاركين في الحوار يدركون جيدا ان هدفه الحقيقي وغير المعلن هو التقاط صورة شهرية في «أرض محايدة»، بدلا من ان يظل كل منهم مهتما بأن يغني وحده على ليلاه، طيلة الوقت.
ومع ذلك كله، فإن الطاولة مرشحة لمواصلة مهمتها في جمع الاضداد حولها مرة واحدة في الشهر، على الاقل، علما انها ما تزال في طبعتها الجديدة عالقة في مأزق «الدفوع الشكلية»، التي تترواح بين الخلاف على جدول الاعمال وتعريف الاستراتيجية الدفاعية وبين الجدال حول ما إذا كان يجوز نقد سلاح المقاومة في العلن أم ان كل نقاش يتصل به ينبغي الا يتجاوز قاعة الاجتماعات في قصر بعبدا.
بالنسبة الى قوى 14آذار، فإن محاولة فرض الرقابة المسبقة على أدبياتها وتحديد المسموح والممنوع تداوله، إنما تخفي مسعى «لكم الأفواه وممارسة نوع من الارهاب الفكري». وعليه، ترى هذه القوى «ان الطبيعة الديموقراطية للنظام اللبناني تمنحها الحق في ان تعبر عن موقفها الصريح من سلاح المقاومة والاستراتيجية الدفاعية، داخل قاعة الحوار وخارجها على حد سواء».
وبينما تقاطعت مؤخرا مواقف الرئيس نبيه بري وحزب الله والعماد ميشال عون عند التنبيه الى خطورة مواصلة الهجوم على سلاح المقاومة في موازاة عمل طاولة الحوار لان ذلك يلغي الجدوى منها.. ترى قوى 14 آذار في الدعوة الى سحب ملف السلاح من التداول العلني «رغبة لدى البعض في الايحاء بأن الامور تسير على ما يرام وأن هناك تطبيعا مع الامر الواقع السائد، بما يخفف الضغط عن حزب الله، في حين ان الصورة ليست على هذا النحو، والسلاح يشكل مادة خلافية بامتياز، ومن يتعمد تجاهل هذه الحقيقة لا يمارس سوى سياسة الهروب الى الأمام».
لا يُقنع هذا المنطق أطراف المعارضة السابقة التي تشتم من سلوك 14 آذار رائحة هدفين: الاول، مواصلة الضغط على المقاومة ومحاولة عدم إتاحة الفرصة لها لالتقاط الانفاس، والثاني، توظيف ورقة السلاح في الانتخابات البلدية لاستنهاض القواعد حيث تدعو الحاجة.
وفي سياق متصل، يعتبر الرئيس نبيه بري الذي طرح ما يشبه «إستراتيجية الدولة للدفاع» وليس فقط «استراتيجية الدفاع عن الدولة»، ان البعض يجافي الحقيقة عندما يوحي بأن طلب عدم إثارة موضوع سلاح المقاومة خارج قاعة الحوار، هو نوع من المصادرة لحرية الرأي والتعبير.
ويشرح بري المحاذير المتأتية عن عدم ضبط ملف الاستراتيجية الدفاعية على ساعة طاولة الحوار، بالاشارة الى ان الاستمرار في النقاش العلني الصاخب مع ما يرافقه من ردود متبادلة وسجالات حادة، إنما من شأنه ان يلغي وظيفة طاولة الحوار وقيمتها، إذ يفترض ان هذه الطاولة او الهيئة تأسست أصلا لسحب مسألة السلاح من التداول العشوائي والعبثي ووضعها في إطار مؤسساتي يتسع لكل آرائنا وأفكارنا التي يفترض ان تأخذ مداها في التفاعل في القاعة المغلقة وصولا الى إنتاج القواسم المشتركة.
كما يلفت بري الانتباه الى ان السجال المفتوح حول سلاح المقاومة خارج ضوابط هيئة الحوار يمكن ان يغري اسرائيل لمزيد من اللعب على أوتار التناقضات بين اللبنانيين، إما لإحداث فتنة داخلية وإما لشن عدوان جديد على لبنان مستفيدة من مناخ الانقسام الحاد، مستذكرا ما جرى مع حركة أمل خلال اجتياح عام 1982حين كنا نقاتل العدو بشراسة في خلدة ونؤخر تقدمه، لنفاجأ لاحقا بأنه أصبح خلفنا بعدما استطاع ان يخترق خط الظهر من خلال عبوره في مناطق معينة من دون مقاومة، ومن هنا يتبين كم هو مهم ان تكون الجبهة الداخلية متراصة لمنع التسلل الاسرائيلي عبرها.
ويرى رئيس المجلس انه عندما يتعلق الامر بالبحث في استراتيجية دفاعية، فإن هناك أسرار دولة ينبغي احترامها، ولا بد من بعض الكتمان والانضباط في معرض مناقشة مسألة بهذه الحيوية والحساسية، تتعلق بالامن القومي للبلد، إلا إذا كان المطلوب ان نضع ما نفكر فيه وما نتداول به بمتناول العدو. ويضيف: لان السرية ضرورية، طلبت في مداخلتي على طاولة الحوار ان يتم التنسيق بين الجيش والمقاومة ضمن لجنة ضيقة جدا.
ويتساءل بري: أين المصلحة في ان نجعل أنفسنا مكشوفين امام العدو فيما يُفترض اننا بصدد مناقشة استراتيجية دفاعية لمواجهة اعتداءاته، وهل يعقل ألا نحسن حماية الاستراتيجية الدفاعية من أخطائنا، قبل ان نبحث في كيفية حماية بلدنا من المخاطر الاسرائيلية؟ ويتابع مستدركا: لا يعني ذلك ان المطلوب ان نجامل بعضنا البعض على طاولة الحوار او ان نتجنب قول ما نشعر به.. المقصود فقط ألا ننشر غسيلنا الوسخ امام عيون العدو.
ويعتقد رئيس المجلس ان الامر يشبه الى حد كبير ما يحصل في أي منزل، إذ خلف الابواب المغلقة يمكن ان يختلف افراد العائلة وان يقسو أحدهم على الآخر في الكلام، ولكن عندما يستقبلون الزوار او يطلون على الخارج، فإنهم يظهرون كعائلة واحدة ومتماسكة، لافتا لانتباه الى انه لو لم يكن هناك حد أدنى من التعاضد الداخلي خلال حرب تموز، كما ظهر من خلال الاعتصام النيابي المتعدد التلاوين في مقر المجلس لما أمكن على سبيل المثال رفع الحصار عن مطار ومرفأ بيروت من غير تقديم أي تنازل.
ويشدد بري على ان المقاومة هي من خيرات لبنان، شأنها شأن مياهه، أما من تزعجه فأنصحه بأن يقاربها على الشكل الآتي: في العادة، من واجب الدولة تأمين التغذية الكهربائية للمواطنين، ولكن قصورها دفعهم الى الاستعانة بالمولدات الخاصة التي قد تسبب قليلا من الازعاج إلا انه لا بديل عنها في الوقت الحاضر لتأمين الطاقة. ووفق أداة القياس ذاتها، فإن من واجب الجيش اللبناني الدفاع عن الوطن في مواجهة العدو الاسرائيلي ولكن تواضع إمكانياته دفع الى إنشاء مولدات للمقاومة بانتظار ان تستعيد الدولة جهوزيتها وتبني قدراتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018