ارشيف من :أخبار لبنانية
"إسرائيل" بين حصار الذات وتناقض المصالح
حسن خليل، الاخبار
الممارسة الإسرائيلية الحالية في فلسطين أشد قسوة مما كانت ممارسة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا... عند زيارة منزل نيلسون مانديلا المتواضع في مقاطعة سويتو قرب جوهانسرغ، يستعيد المرء سيرة رجل عظيم وقف وشعبه في وجه الاستعباد الأوروبي الذي اضطرّ لاحقاً إلى التراجع ليستعيد أهل الأرض الأصليون حقوقهم من دون اضطهاد من اضطهدوهم. يتساءل المراقب: لماذا وقف العالم كله (ما عدا إسرائيل) مع شعب جنوب أفريقيا، ويقف متفرجاً أمام ما حصل ويحصل في فلسطين لستين سنة خلت. مفارقات عدة تطرح نفسها عند المقارنة بين ظروف نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والاستبداد الإسرائيلي القائم في فلسطين.
1 ـــــ كان نيلسون مانديلا يعلم، قبل لحظة انتقاله من منزله المتواضع إلى سجن الـ27 عاماً، أن للحرية ثمناً، وأنها هي تكافئه حالياً في برجه العالي، بينما يتعلق قادة «السلطة» الحاليون بمراكزهم وفيلاتهم كما يتعلق حلفاؤهم في «الاعتدال العربي» بقصورهم ويخوتهم، متوهمين أنهم من هناك سيقنعون الإسرائيليين بقبولهم لأنهم «أقل شراً من قوى المقاومة القابعة في الخنادق». يبدو أن هذه القيادات لم تسمع بالمثل الحكمة «أُكلت عندما أُكل الثور الأبيض»، وما زالت تتوهّم أن مصير رخائها في يد من لا تصنّفه عدواً، وليس في يد شعوبها.
2 ـــــ أنظمة «الاعتدال العربي» وبعض شعوبها لا تكترث لما يحصل من ظلم واستعباد للفلسطيني، كأنه «حشرة مزعجة» لحفلات سمرهم. لم يعد خبر سجن 10 آلاف «إنسان» مهماً، وأصبح مروان البرغوثي أمراً منسياً، بعدما كان رمزاً وقائداً للانتفاضة ضد الاحتلال، بينما كان نلسون مانديلا السجين رمزاً وقائداً لكل الشعوب الأفريقية والعالمية المقهورة، وللأنظمة المتمدّنة. هذه المقارنة تتجلى في النفسية الطارئة على المنطقة أخيراً «أنا أوّلاً» و«حبّ الحياة». اجتمع «الأسوَد» المظلوم مع الأبيض العادل على مقاومة القهر، بينما اختلف العرب والمسلمون على «مذهبية القضية»، حتى باتت إيران وحزب الله وحماس وسوريا وكل من معهم «شيعة مغامرين» لأنهم يتبنّون القضية المركزية، يقابلهم «عرب السنّة العاقلون»، متناسين أن التاريخ العروبي النضالي كان في تاريخه دوماً بمعزل عن المذهبية. أتفه المنطق.
3 ـــــ اضطراراً تغيّر مفهوم «العدو والصديق». فدخل نظام «الاعتدال العربي» في حلف معلن وغير معلن مع إسرائيل وعرّابيها، بالرغم من إظهار استطلاع عالمي أن أكثر من 60% يعدّونها التهديد الأول للسلام العالمي، في ترويج الأخطار الجمّة التي يمثلها النظام الإيراني على أمن المنطقة إلى درجة المطالبة بالمظلة النووية الإسرائيلية لردع الطموح الإيراني. جريمة إيران، كما سوريا، الكبرى أنها مناوئة «للاعتدال» وداعمة لحركات المقاومة.
ضمن هذه الأجواء المريضة التي جوهرها أن «ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة»، يسأل البعض عما يمكن أن تفعله المقاومة لتغيير الواقع. الاستنفار القائم في اللوبيات الإسرائيلية في العالم، والناتج من صدور تقارير علنية لأول مرة تشير بوضوح إلى تناقضات خطيرة بين المصلحة القومية الأميركية ومصالح إسرائيل، (إلى حدّ جعل البعض يتساءل إن كانت الولايات المتحدة هي الولاية الثانية لإسرائيل، بينما كان المعتقد أنها الولاية الواحدة والخمسون للولايات المتحدة)، هو الإنجاز الأعظم لحركات المقاومة. ولهذا السبب بالذات، هناك استنفار مكمل في معسكر «الاعتدال العربي» الذي يشعر بأن تحوّلاً استراتيجياً كهذا في التفكير الأميركي سيعرّيه بالكامل، «لذلك يجب عدم السماح بانكسار شوكة إسرائيل»، بل دعمها لتبقى «عدواً صديقاً لنا».
حلّ فلسطين لن يكون «عربياً اعتدالياً»، بل استنزافياً منهكاً للمصالح الكبرى وبنَفس طويل، وكذلك من خلال وقوع إسرائيل، كما نيرون وهنيبعل ونابليون وهتلر وغيرهم، في فخ عدم معرفة «حدود القوة» والانزلاق نحو الغطرسة اللامحدودة كأنها على أبواب «مسادا». هذا الحل يتناقض مع سلوك أنظمة عربية وصلت إلى حدّ تبديل معايير تعيين السفراء لاكتساب الرضى. أنظمة أعضاء في جامعة دول عربية ليس فيها من العروبة أكثر من اسم، ولا من جهد أكثر من إطلاق مبادرات للسلام «وإلا»...، «فسنعقد مؤتمر قمة طارئاً بنظارات شمسية جديدة يعتذر فيها نصفنا، ويأتي نصفنا الآخر على عكازات لنطلق مبادرة عربية جديدة للسلام، ونعتمد 500 مليون دولار نقصفها على القدس كما قصف صدام حسين بصواريخه السكود».
حلّ فلسطين لن يكون إلا بإرادة شعوب تجعل إسرائيل عبئاً على الغرب.
الممارسة الإسرائيلية الحالية في فلسطين أشد قسوة مما كانت ممارسة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا... عند زيارة منزل نيلسون مانديلا المتواضع في مقاطعة سويتو قرب جوهانسرغ، يستعيد المرء سيرة رجل عظيم وقف وشعبه في وجه الاستعباد الأوروبي الذي اضطرّ لاحقاً إلى التراجع ليستعيد أهل الأرض الأصليون حقوقهم من دون اضطهاد من اضطهدوهم. يتساءل المراقب: لماذا وقف العالم كله (ما عدا إسرائيل) مع شعب جنوب أفريقيا، ويقف متفرجاً أمام ما حصل ويحصل في فلسطين لستين سنة خلت. مفارقات عدة تطرح نفسها عند المقارنة بين ظروف نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والاستبداد الإسرائيلي القائم في فلسطين.
1 ـــــ كان نيلسون مانديلا يعلم، قبل لحظة انتقاله من منزله المتواضع إلى سجن الـ27 عاماً، أن للحرية ثمناً، وأنها هي تكافئه حالياً في برجه العالي، بينما يتعلق قادة «السلطة» الحاليون بمراكزهم وفيلاتهم كما يتعلق حلفاؤهم في «الاعتدال العربي» بقصورهم ويخوتهم، متوهمين أنهم من هناك سيقنعون الإسرائيليين بقبولهم لأنهم «أقل شراً من قوى المقاومة القابعة في الخنادق». يبدو أن هذه القيادات لم تسمع بالمثل الحكمة «أُكلت عندما أُكل الثور الأبيض»، وما زالت تتوهّم أن مصير رخائها في يد من لا تصنّفه عدواً، وليس في يد شعوبها.
2 ـــــ أنظمة «الاعتدال العربي» وبعض شعوبها لا تكترث لما يحصل من ظلم واستعباد للفلسطيني، كأنه «حشرة مزعجة» لحفلات سمرهم. لم يعد خبر سجن 10 آلاف «إنسان» مهماً، وأصبح مروان البرغوثي أمراً منسياً، بعدما كان رمزاً وقائداً للانتفاضة ضد الاحتلال، بينما كان نلسون مانديلا السجين رمزاً وقائداً لكل الشعوب الأفريقية والعالمية المقهورة، وللأنظمة المتمدّنة. هذه المقارنة تتجلى في النفسية الطارئة على المنطقة أخيراً «أنا أوّلاً» و«حبّ الحياة». اجتمع «الأسوَد» المظلوم مع الأبيض العادل على مقاومة القهر، بينما اختلف العرب والمسلمون على «مذهبية القضية»، حتى باتت إيران وحزب الله وحماس وسوريا وكل من معهم «شيعة مغامرين» لأنهم يتبنّون القضية المركزية، يقابلهم «عرب السنّة العاقلون»، متناسين أن التاريخ العروبي النضالي كان في تاريخه دوماً بمعزل عن المذهبية. أتفه المنطق.
3 ـــــ اضطراراً تغيّر مفهوم «العدو والصديق». فدخل نظام «الاعتدال العربي» في حلف معلن وغير معلن مع إسرائيل وعرّابيها، بالرغم من إظهار استطلاع عالمي أن أكثر من 60% يعدّونها التهديد الأول للسلام العالمي، في ترويج الأخطار الجمّة التي يمثلها النظام الإيراني على أمن المنطقة إلى درجة المطالبة بالمظلة النووية الإسرائيلية لردع الطموح الإيراني. جريمة إيران، كما سوريا، الكبرى أنها مناوئة «للاعتدال» وداعمة لحركات المقاومة.
ضمن هذه الأجواء المريضة التي جوهرها أن «ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة»، يسأل البعض عما يمكن أن تفعله المقاومة لتغيير الواقع. الاستنفار القائم في اللوبيات الإسرائيلية في العالم، والناتج من صدور تقارير علنية لأول مرة تشير بوضوح إلى تناقضات خطيرة بين المصلحة القومية الأميركية ومصالح إسرائيل، (إلى حدّ جعل البعض يتساءل إن كانت الولايات المتحدة هي الولاية الثانية لإسرائيل، بينما كان المعتقد أنها الولاية الواحدة والخمسون للولايات المتحدة)، هو الإنجاز الأعظم لحركات المقاومة. ولهذا السبب بالذات، هناك استنفار مكمل في معسكر «الاعتدال العربي» الذي يشعر بأن تحوّلاً استراتيجياً كهذا في التفكير الأميركي سيعرّيه بالكامل، «لذلك يجب عدم السماح بانكسار شوكة إسرائيل»، بل دعمها لتبقى «عدواً صديقاً لنا».
حلّ فلسطين لن يكون «عربياً اعتدالياً»، بل استنزافياً منهكاً للمصالح الكبرى وبنَفس طويل، وكذلك من خلال وقوع إسرائيل، كما نيرون وهنيبعل ونابليون وهتلر وغيرهم، في فخ عدم معرفة «حدود القوة» والانزلاق نحو الغطرسة اللامحدودة كأنها على أبواب «مسادا». هذا الحل يتناقض مع سلوك أنظمة عربية وصلت إلى حدّ تبديل معايير تعيين السفراء لاكتساب الرضى. أنظمة أعضاء في جامعة دول عربية ليس فيها من العروبة أكثر من اسم، ولا من جهد أكثر من إطلاق مبادرات للسلام «وإلا»...، «فسنعقد مؤتمر قمة طارئاً بنظارات شمسية جديدة يعتذر فيها نصفنا، ويأتي نصفنا الآخر على عكازات لنطلق مبادرة عربية جديدة للسلام، ونعتمد 500 مليون دولار نقصفها على القدس كما قصف صدام حسين بصواريخه السكود».
حلّ فلسطين لن يكون إلا بإرادة شعوب تجعل إسرائيل عبئاً على الغرب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018