ارشيف من :أخبار لبنانية

مـاذا سـمع أبـو الغيـط عـن الحـرب.. «إذا وقعـت»؟

مـاذا سـمع أبـو الغيـط عـن الحـرب.. «إذا وقعـت»؟
"السفير" - عماد مرمل

شكلت زيارة وزير الخارجية المصري أحمد ابو الغيط المقتضبة لبيروت «أحجية» سياسية، حتى لمن التقاه من المسؤولين اللبنانيين الذين احتار بعضهم في تفسير مغزى الزيارة، في هذا التوقيت بالذات.


والمفارقة ان حيرة هؤلاء زادت بعد اللقاء مع ابو الغيط، باعتبار ان الحديث معه في الغرف المغلقة لم يرو غليل التساؤلات ولم يُشبع فضول معرفة الخلفيات، فبقي مروره الخاطف في العاصمة اللبنانية لغزا برسم المحللين وقارئي «الفنجان السياسي».


ولئن كانت القاهرة قد تحولت خلال المرحلة السابقة الى أحد المحاور الاقليمية المتصارعة فوق الساحة اللبنانية وعليها، انطلاقا من موقفها السلبي إزاء المقاومة، محتضنة في هذا السياق بعض القيادات الداخلية التي أصبحت تُحسب ضمن «الجناح المصري» في فريق 14 آذار.. إلا ان المواقف المتقدمة التي أطلقها ابو الغيط من بيروت لجهة الاستهزاء بكذبة صواريخ الـ«سكود» وتأكيده ان بلاده ستقف الى جانب لبنان وسوريا في مواجهة أي اعتداء اسرئيلي، أعطت انطباعا بأن القاهرة تحاول إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة، سعيا الى استعادة ما تيسر من «الدور المفقود» الذي استطاعت تركيا ان تنتزع الجزء الاكبر منه بـ«قبضة» الطروحات الجريئة ضد العدوانية الاسرائيلية، فيما كانت القاهرة تساهم في محاصرة قطاع غزة عبر إقفال معبر رفح وتحاكم خلية «حزب الله» المتهمة بتهريب السلاح الى القطاع.


ولعل اللغة التي استخدمها ابو الغيط تعكس ايضا مفاعيل التقارب الحاصل مع سوريا والذي من المفترض ان يمهد للقاء بين الرئيسين حسني مبارك وبشار الاسد، علما ان مظلة الأمان الاقليمية التي تضم حتى الآن دمشق والرياض، تظل ناقصة بمفاعيلها الاستراتيجية ومساحة تغطيتها ما لم تنضم القاهرة اليها، وفق معايير لا بد من ان تلحظ التبدل الذي طرأ على موازين القوى الاقليمية والدولية لمصلحة محور الممانعة. ولكن.. ماذا عن كواليس زيارة ابو الغيط الى بيروت؟
قبل فترة قصيرة، سئل أحد المسؤولين عما إذا كان برنامج نشاطه يتيح له استقبال شخصية مصرية ستزور بيروت في النصف الثاني من الشهر الحالي. يومها، ابلغ المسؤول المذكور سائله ان جدول أعماله ومواعيده هو من شأنه وحده، طالبا إبلاغه باسم الزائر ليبنى على الشيء مقتضاه، فقيل له ان الآتي هو ابو الغيط.

حدد المسؤول موعدا للضيف المصري، ولكن السؤال عن خلفية الزيارة ظل يلح عليه، فالتقى ذات مساء بعض المقربين منه وراح يفكر امامهم بصوت عال، محاولا استنتاج الاسباب الحقيقية لمجيء ابو الغيط الى بيروت، وانتهى النقاش الى وضع الفرضيات الآتية لأبعاد الزيارة وقطبتها المخفية المحتملة:
 

ـ إبلاغ رسالة محددة بخصوص التهديدات الاسرائيلية.
ـ البحث في ما آلت اليه قضية «خلية حزب الله» الموقوفة في مصر.
ـ إثارة مسألة وضع الحدود بين لبنان وسوريا في ضوء ما يُحكى عن تهريب أسلحة الى حزب الله.
ـ نقل أجواء معينة بخصوص المحكمة الدولية.


لاحقا، استقبل المسؤول اللبناني ضيفه المصري بالترحاب وتبادلا في مستهل الحديث المجاملات البروتوكولية إضافة الى الكلام عن صحة الرئيس مبارك، قبل ان ينتقلا الى السياسة. انتظر الأول ان يتناول ابو الغيط واحدا من الاحتمالات الموضوعة، إلا ان وزير الخارجية المصري اكتفى بالتأكيد أن بلاده تدعم استقرار لبنان، مشيراً الى ان مبارك وجد انه من الضروري ان تقف القاهرة الى جانب لبنان في هذا الوقت.
 

ارتاح المسؤول الى هذا الموقف الرسمي المصري، إلا انه افترض انه كان يجب إبلاغه الى رئيس الجمهورية بالدرجة الاولى، كما هي العادة في مثل هذه الحالات، مستغربا ان يختار ابو الغيط زيارة بيروت في وقت يغيب عنها الرئيس ميشال سليمان الموجود في البرازيل. تجاوز المسؤول ما حدثته به نفسه، وأراد ان يستطلع ما إذا كانت جعبة زائره تحوي شيئا آخر يتجاوز الاطار الدبلوماسي الكلاسيكي، فسأله عن قراءته للوضع في المنطقة وهل لديه مؤشرات حول احتمال شن حرب إسرائيلية على لبنان، لتأتي الإجابة عامة ومريحة، الا انها خالية من معلومات محددة.
 

ولئلا يسيء وزير الخارجية المصري فهم دلالات السؤال وحتى لا يستنتج انه ينطوي على علامات ضعف او خوف، استدرك المسؤول بالقول: نحن لا نريد الحرب، ولكن إذا فُرضت علينا، فهذه ستكون فرصة لنا كي نستكمل تحرير ما تبقى من أراض محتلة في الجنوب.

وعند تناول مسألة الحملة الاميركية - الاسرائيلية المفتعلة بشأن صواريخ الـ«سكود»، كرر ابو الغيط موقفه المعلن منها، معتبرا ان الأمر يتعلق بكذبة يجري الترويج لها، ثم سمع من المسؤول اللبناني كلاما مفاده: الى متى تستمر ممارسة الازدواجية في المعايير، ولماذا من المسموح تزويد العدو الاسرائيلي بأحدث أنواع الاسلحة المدمرة التي يستعملها في الاعتداء على الآخرين، بينما ممنوع على لبنان التزود بأسلحة تساعده في الدفاع عن نفسه وعن سيادته في مواجهة العدوان، بمعزل عما إذا كان حزب الله قد حصل على «سكود» أم لا؟ وأضاف: ان صاروخ الـ«سكود» الذي يُحكى عنه ما زال اقل تطورا من طائرات الفانتوم التي تخرق سيادتنا كل يوم.
 

وفي ما خص علاقة مصر مع سوريا، أشار ابو الغيط الى انها «دافئة»، وشرح كيف ان لقاء المصالحة بين الرئيسين حسني مبارك وبشار الاسد كان يجب ان يحصل خلال القمة العربية التي عُقدت مؤخرا في ليبيا إلا ان غياب مبارك عنها نتيجة اضطراره الى إجراء عملية جراحية دفع الى تأجيل اللقاء.
أما المحكمة الدولية و«خلية حزب الله» فلم يتطرق اليهما أبو الغيط لا من قريب ولا من بعيد.
وفي وقت لاحق، أجرى هذا المسؤول نوعا من تقاطع المعلومات مع شخصية رسمية أخرى التقاها أبو الغيط، ليتبين بعد الفحص والتدقيق انه لم يحمل في جعبته أسرارا.

2010-04-27