ارشيف من :أخبار لبنانية

حكاية بريد واشنطن: من الحريري إلى «السكود» فالمحكمة

حكاية بريد واشنطن: من الحريري إلى «السكود» فالمحكمة
"الأخبار" - إبراهيم الأمين

لا يجد الأميركيون المعنيون بملف لبنان حاجة إلى دعوة الرئيس سعد الحريري لزيارة واشنطن الآن. فهو ليس قادراً على التعهد بشيء. ولا يتوقع أن يأتينا بجديد. بل على العكس، فهناك أمور تحصل في الآونة الأخيرة من شأنها التقليل من أهمية زيارته. لقد عدّ حديثنا عن «السكود» أنه كذب ويشبه حديثنا عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. وهو يتهمنا بطريقة توفّر الغطاء بطريقة أو بأخرى لحزب الله. وكل التوضيحات التي تولّاها مستشاره للشؤون الخارجية محمد شطح لا تفيد في تعديل الصورة.

الأميركيون يسعون إلى ترتيب قرار يصدر عن مجلس الأمن بشأن عقوبات على إيران في الشهر المقبل. لبنان سيكون رئيس مجلس الأمن في هذه الفترة. والرئيس باراك أوباما يسعى إلى الحصول على إجماع في مجلس الأمن، وهو طلب من مساعديه العمل للحصول على 15 صوتاً من 15 صوتاً. لكن الإشارات تدل على أن لبنان لن يكون في هذا الصف. لن يقدر الحريري على فرض موقف يؤيّد العقوبات على إيران وهو يستعد لزيارتها أصلاً. هذا عدا عن أن رئيس بعثة لبنان في نيويورك السفير نواف سلام، الذي توجه أمس إلى مقر عمله بعد زيارة سريعة إلى بيروت، سمع تعليمات واضحة من وزير الخارجية علي الشامي بأن لبنان يرفض منطق العقوبات على إيران... فإذا كانت الأمور كذلك، فما معنى أن يذهب الحريري الآن إلى واشنطن.

كذلك فإن الإدارة الأميركية لم تكن تملك فرصة لممارسة ضغوط من نوع استثنائي على سوريا في السنوات السابقة، فكيف الآن وهي تسعى إلى تعاون معها في ملفات كثيرة على رأسها العراق، إضافة إلى ملفّي لبنان وفلسطين. ولكن في إسرائيل من يعتقد أن بمقدور الولايات المتحدة ألّا تقدم إلى سوريا هدايا مقابل عدم التزامها بوقف تصدير السلاح إلى حزب الله. وبينما كانت الولايات المتحدة تدقق في معلومات أرسلت إليها على عجل، مطلع شباط الماضي، عن نقل أسلحة خطيرة إلى حزب الله عبر الحدود السورية، كانت إسرائيل تعبّر عن ضيقها نتيجة عدم قدرتها على معالجة الأمر بنفسها. لقد نجح التهديد الصادر عن سوريا وإيران وحزب الله بنشوب حرب شاملة، في التحول إلى قوة ردع منعت إسرائيل من توجيه ضربات عسكرية، وبالتالي على الأميركيين المبادرة إلى شيء.


في هذا السياق، يحاول الكونغرس الأميركي تأخير وصول السفير الأميركي الجديد إلى دمشق، ويستخدم أوراقاً وحججاً مختلفة، لكنه لا يملك الآن سوى الحديث عن خرق القرار 1701، فيصدر «زلمة إسرائيل» الأول في الأمم المتحدة تيري رود لارسن تقرير عن خروق الجانب اللبناني (السوري) للقرار الدولي، فيما تجد أوساط في الإدارة الأميركية نفسها مضطرة إلى رفع الصوت ضد سوريا على طريقة «المخبول» جيفري فيلتمان، ما يحقق في رأي هؤلاء توازناً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، لأن واشنطن لا تقدر على إدارة أي حوار مع سوريا دون إرسال السفير. وهي ترى في الحوار مع دمشق بشأن العراق أولوية تتقدم على أي شيء آخر.

بناءً على ذلك، فإن من الطبيعي أن يصدر أكبر كم من المعلومات والتحذيرات تحت عنوان «حماية أمن إسرائيل» ويتلقّى الرئيس الحريري في بيروت طلبات للعمل بسرعة وبقوة لمنع أي تدهور، لأن إسرائيل لا تقدر على التعايش مع حصول حزب الله على منظومة قتالية بهذا التطور. ولكنّ الحريري لا يقدر على أكثر من إصدار البيانات والاتصالات. وعلى حد تعبير أحد القريبين من دائرة الرجل، فإن «الحريري لا يفيد الغرب في منع حزب الله من التسلّح، كما لا يمكنه أن يفيد حزب الله في منع المحكمة الدولية من اتهام أفراد منه بالتورّط في قتل رفيق الحريري.. إن الحريري يعيش أسوأ أيامه، فكيف إذا كانت مترافقة مع الأزمة المالية الأشد في تاريخ آل الحريري».

ومع ذلك، يبدو أن رهان إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وأوساط عربية وغربية ولبنانية على المحكمة الدولية كبير جداً هذه الأيام. الهدف هو التأكد من نيّة الادّعاء العام توجيه أصابع الاتهام إلى أفراد من الحزب أو مقرّبين منه أو حتى مسؤولين فيه بالتورّط في جريمة اغتيال الحريري.
دانيال بلمار ورفاقه يتحدثون بإصرار عن استقلالية وحيادية ونزاهة في التحقيقات، وأن التزام المعايير المهنية حديدي إلى درجة يستحيل معها على أحد معرفة ما الذي يدور داخل غرفة المحققين. لكن فجأة تعرف إسرائيل أن الصحافة الغربية ستنشر تقارير عن الملف. وتعرف الاستخبارات الفرنسية أنه يجري العمل على ترتيب اتهام لحزب الله. وتعرف السعودية أن سوريا باتت خارج مرمى الاتهام المباشر. وتعرف الولايات المتحدة معلومات إضافية، ويعرف محمد بن زايد في دولة الإمارات العربية أن ستة أفراد من الحزب أو مقرّبين منه ستوجّه إليهم أصابع الاتهام... وأكثر من ذلك، يسمع كبير محقّقي بلمار في بيروت، بحضور مرجع قضائي لبناني، كلاماً مفاجئاً عن عروض وصفقات ستخرج تفاصيلها إلى العلن بين وقت وآخر... ثم يخرج علينا من يقول بأن ما يصدر عن المحكمة أمر مقدس!
العالم يسير نحو التوتر، والمنطقة نحو درجة أعلى من الغليان. وفي لبنان ثمة فرصة للبقاء بعيداً عن العواصف. لكن يبدو أن بقايا 14 آذار يجيدون الانتحار السياسي. وهم يصرّون مع قادتهم في الخارج، القريب والبعيد، على برامج عمل من شأنها هدم الهيكل.
أليس من علامات الساعة أن يصف أحمد أبو الغيط إسرائيل بالعدو؟

2010-04-27