ارشيف من :أخبار لبنانية

بيروت ـ دمشق: إنعاش اتّفاقات حقبة الوصاية

بيروت ـ دمشق: إنعاش اتّفاقات حقبة الوصاية
"الأخبار" - نقولا ناصيف

لن يذهب رئيس الحكومة إلى دمشق ثانية قبل أن يطوي نهائياً كل جدل محتمل في معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق واتفاق الدفاع والأمن والاتفاقات الثنائية. بعد زيارة أولى شخصية، تحمل الزيارة الثانية جدّية علاقته بسوريا.

ما تنتظره دمشق من الرئيس سعد الحريري، في الزيارة الثانية المتوقعة، يتخطى مكسباً رائجاً في بيروت. هو إعادة النظر في الاتفاقات الثنائية بين البلدين. لكنها في المقابل تتوقع ما هو أهم من ذلك بكثير: إعادة تأكيد شرعية المعاهدة والاتفاقات المنبثقة منها عبر قرارات المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني. بل الأكثر أهمية في ذلك، في ضوء ما يشاع عن أن التعديلات المقترحة لا تتعدّى النطاق الشكلي والعبارات التقنية، أن الحريري سيثبّت كل الاتفاقات التي أبرمت في ظلّ حكومات والده الرئيس رفيق الحريري، أو التي رعى توقيعها في دمشق أو في بيروت، واقفاً وراء الوزراء اللبنانيين والسوريين الموقعين إياها، ما خلا وثيقتين أبرمتا قبل وصول الحريري الأب إلى رئاسة الحكومة عام 1992، هما المعاهدة الثنائية واتفاق الدفاع والأمن.


كلاهما لم يُبد الرئيس الراحل، لاحقاً، أي مآخذ عليهما. كل تلك الاتفاقات وُضعت في حقبة ما عُرف بالوصاية السورية على لبنان، وسيصار إلى إعادة إنعاشها في مرحلة ما بعد خروج سوريا من لبنان.
كأن لا شيء تغيّر قط. أو كأن اتفاقات الوصاية لم تكن بالسوء الذي قيل عنها بين عامي 2005 و2008.

في الواقع، ينطلق تقويم دمشق لمراجعة الاتفاقات الثنائية بين البلدين من المعطيات الآتية:

1 ــ تمثّل مراجعة الاتفاقات جزءاً لا يتجزأ من سلة تشمل مقاربة واحدة ومشتركة لكل ما يتصل بالعلاقات الثنائية المميّزة وسبل تعزيزها، لا قصر الأمر على الاتفاقات كأن هذه مشكلة في ذاتها، أو عقبة في طريق تطوير هذه العلاقات وتستعجل المعالجة.

2 ــ لا تفصل سوريا بين الاتفاقات ومعاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق، ولا بينها وبين المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني، ويمثّل كل منها حجر زاوية من هرم متكامل للعلاقات المميّزة نصّ عليها اتفاق الطائف. لذا تسأل دمشق باستمرار مراجعيها، عمّا إن كان لبنان يريد علاقات مميّزة معها أو لا. ما تعرفه في السرّ والعلن عن موقفي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن أياً منهما لم يفاتحها مرة بإلغاء المعاهدة والمجلس الأعلى ولا بتعديلهما، بل يتمسّكان بهما، ويجدان فيهما ـــــ كدمشق ـــــ ترجمة فعلية للعلاقات المميّزة.


3 ـ لا ترى في الاتفاقات الثنائية مصدر الشوائب التي اعترت العلاقات السورية ـــــ اللبنانية في السنوات الأخيرة. ولهذا لا تناقش ما يُذكر عن ثُغَر فيها على نحو مستقل عن نظرة متكاملة إلى مسار العلاقات الثنائية تتناول أيضاً، وخصوصاً، السياسة الخارجية والتعاون الأمني وترسيم الحدود. وهو ما أسرّ به الرئيس السوري بشّار الأسد إلى رئيس الحكومة سعد الحريري عندما التقيا في 19 و20 كانون الأول الماضي.


4 ــ حتى إشعار آخر، وإلى أن يقرّر رئيسا البلدين خياراً معاكساً، فإن اجتماعات المسؤولين السوريين واللبنانيين في مجال مناقشة العلاقة الثنائية تستمد مرجعيتها من المجلس الأعلى، ومن الإدارة الإجرائية التي ينصّ عليها، وهي الأمانة العامة للمجلس. على نحو كهذا، عُقد قبل أكثر من أسبوع في دمشق اجتماع المديرين العامين والمستشارين اللبنانيين بنظرائهم معاوني الوزراء السوريين.


بذلك تميّز دمشق بين المهمة المنوطة بالمجلس الأعلى، وهي تنظيم العلاقات المميّزة وإدارتها، ومهمة السفير في كل من البلدين المعنية بشؤون رعاياهما والاتصالات السياسية التي يعكسها التبادل الدبلوماسي. لم يحجب ذلك مشاركة السفير اللبناني في دمشق ميشال خوري في اجتماع الاثنين الماضي تحت سقف المجلس الأعلى، ولا تكليفه التنسيق في ما اتفق عليه في الاجتماع، لكن من دون تجاوز المجلس الأعلى أيضاً، السقف الذي يستظلّ المعنيين جميعاً.


بين المعاهدة والاتفاق


تطرح دمشق هذه الملاحظات على أبواب اجتماع ثانٍ محتمل لوفد المديرين العامين والمستشارين لم يُحدّد بعد، وكذلك الزيارة المحتملة للحريري للعاصمة السورية. بيد أن هذه الملاحظات تأتي رداً على ما كان قد أثير أخيراً في لبنان حيال الدعوة إلى تعديل مزدوج يتخطى الاتفاقات الثنائية، كي يتناول مسألتين أثارتا في السنوات الخمس المنصرمة جدلاً واسعاً لم يقترن مرة بخطوة جدّية تضع هذا الجدل موضع التنفيذ أو تجعله مادة تفاوض مع سوريا، هما معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق واتفاق الدفاع والأمن. كلاهما أُبرما في عام واحد، هو عام 1991 في مدة قياسية، الأولى في 22 أيار والثاني في أول أيلول:


ـ لا تعوز المعاهدة أي مراجعة أو إعادة نظر، إلا في المادة الرابعة منها التي أصبحت في حكم الملغاة منذ 26 نيسان 2005 عندما جلا آخر جندي سوري عن الأراضي اللبنانية. وهي ترعى وجود الجيش السوري في لبنان وتنظم مراحل إعادة انتشاره كما أوردها اتفاق الطائف، بعد سنتين من إقرار الإصلاحات الدستورية. ورغم أن هذه المادة ـــــ كما اتفاق الطائف ـــــ تحدّثت عن إعادة انتشار الجيش السوري ونقاط تمركزه الجديدة في مواقع أخرى محدّدة داخل الأراضي اللبنانية تبعاً لمهل ضيّقة، ولم تأتِ على ذكر الانسحاب الشامل كما حصل، إلا أن فحواها كانت ترعى وجود الجيش السوري في لبنان. ومن غير حاجة إلى إلغاء المادة الرابعة، أضحت بلا معنى أو دور لسببين متلازمين:
 

أولهما، أن إلغاءها كان بقرار من المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني في اجتماع 7 آذار 2005، عندما قرّر رئيسا البلدين سحب الجنود السوريين إلى البقاع خلال شهر، ثم إلى الأراضي السورية في نيسان. أعقب اجتماع المجلس الأعلى اجتماع آخر للجنة عسكرية رفيعة من الجيشين اللبناني والسوري، مثّل الأول فيها قائده العماد ميشال سليمان والثاني رئيس الأركان العماد حسن توركماني في 8 آذار في دمشق، ثم بعد أسبوع عُقد اجتماع ثانٍ في رياق دُرست فيه إجراءات مرحلتي الانسحاب الجزئي إلى البقاع، ثم الشامل إلى داخل سوريا. ووقّع محضر اجتماع المجلس الأعلى الرئيسان بشّار الأسد وإميل لحود.

وسواء قيل بإلغاء المادة الرابعة أو لا، لم تعد بحكم الواقع جزءاً لا يتجزأ من بنود المعاهدة الثنائية.

ثانيهما، أن اكتمال خروج الجيش السوري من لبنان جعل المادة الرابعة غير ذات جدوى وباطلة المفعول، وأعاد حصر العلاقة بين جيشي البلدين في النطاق الأمني. بذلك تمثّل المادة الرابعة في المعاهدة ـــــ إلى اتفاق الطائف ـــــ الوثيقة الوحيدة المعنية بوجود الجيش السوري في لبنان.

وهكذا لم يُثر الوفد الإداري اللبناني في دمشق الاثنين الماضي موضوع المعاهدة، ولا احتمال مراجعتها أو إدخال تعديل عليها لأسباب، بعضها أنها شأن المجلس الأعلى، وتحديداً رئيسي البلدين دون سواهما، وبعضها الآخر أن تعديلاً محتملاً منوط بالمؤسسات الدستورية في البلدين، وبعضها الثالث أن ليس لدمشق مآخذ عليها ولا تزال تراها الوثيقة الوحيدة المنظّمة للعلاقات المميّزة.


ـ  بدوره، اتفاق الدفاع والأمن يبدو هو الآخر غير مطروح للتعديل، ولم يأتِ اجتماع الإداريين اللبنانيين والسوريين على ذكره، ولا يدخل في اختصاصهم. كان رئيس الحكومة قد طلب من قيادة الجيش ضمّ ضباط كبار إلى وفد المديرين العامين والمستشارين، إلا أن القيادة ارتأت أن ما يسري على الاتفاقات الاقتصادية والتجارية بشتى قطاعاتها لا ينطبق على اتفاق الدفاع والأمن، المحصور اختصاصه بوزارة الدفاع الوطني وقيادة الجيش، وهما لا تريان أن الوقت مناسب لمناقشة هذا الاتفاق حالياً، وفضّلتا صرف النظر عنه إلى أن يحين أوانه. بيد أن القيادة أرسلت العميد عبد الرحمن الشحيتلي إلى الوفد اللبناني وربطت مهمته بتناول الموضوع العسكري دون الأمني في دمشق. لكنهما لم يُطرحا للمناقشة.

وخلافاً لوزراء قالوا إن لديهم ملاحظات على اتفاقات تتصل باختصاصات وزاراتهم، ليس لدى قيادة الجيش أي ملاحظات على اتفاق الدفاع والأمن برسم التعديل لأسباب شتى:

أولها، أن ما يصحّ على القطاعات الأخرى لا يماثله الملف الأمني الذي لا يتصل بتوزّع حصص ونسب مئوية في تقاسم مصالح مشتركة بين البلدين. الملف الأمني واحد وكلٌّ متكامل يعنى به البلدان على نحو متساوٍ، لأن أي نشاطات مناوئة تعرّض النظام والاستقرار في كل من البلدين للخطر.

ثانيها، أن الملف الأمني لا يمثّل حالاً انتقالية أو موقتة، بل تنسيقاً وتعاوناً مستمرين بسبب تشعّب الأخطار المهدّدة للبلدين. وقد عبّر عنها اتفاق الطائف والمعاهدة معاً بتأكيد أن لا يكون أحد البلدين معبراً لتهديد استقرار البلد الآخر ولا التآمر عليه. وعندما كانت القطيعة السياسية بين الدولتين في ذروتها بين عامي 2005 و2008، لم يتوقف التعاون وتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية.


ثالثها، تعتقد قيادة الجيش أن المرحلة الجديدة توجب توسيع مروحة التعاون بين أجهزة استخبارات البلدين، بما يتعدّى ما يرعاه اتفاق الدفاع والأمن، وخصوصاً بالنسبة إلى الملفين الأكثر خطورة، وقد استجدّا في مرحلة لاحقة على إبرام الاتفاق قبل 19 عاماً، وهما الأصولية والإرهاب. لم يعد التعاون الأمني يكتفي كالسابق بمكافحة التسلّل، ولا تهريب السلاح والمخدّرات، ولا مواجهة نشاطات معارضين مناوئين لهذا النظام أو ذاك، ولا نشوء خلايا مسلحة مهدّدة لاستقرار أحد البلدين.


رابعها، بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان لم يعد هذا البلد معنياً بالتعاون مع الجيش السوري على حماية أمن الجنود والآليات السورية المنتشرة فيه، وهو البعد العسكري في الاتفاق، بل أضحت المهمة تقتصر على الشقّ الأمني المتصل بالنشاطات السرّية والعلنية المهدّدة لاستقرار أي من البلدين أو كليهما معاً، كالأصولية والإرهاب.
بالتأكيد لن يكون رئيس الحكومة، عندما يستعدّ لزيارة دمشق ثانية، على طرف نقيض من وجهات النظر هذه.


2010-04-27