ارشيف من :أخبار لبنانية
الأبواب مفتوحة أمام الدخول الإسرائيلي على قضية اغتيال الحريري
ماديان: التسريب لن يتوقف ويجب استرداد التحقيق لمصلحة القضاء الوطني
هيلدا المعدراني
بعد حديث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لتلفزيون المنار في 13/3/2010 عن تسريبات التحقيق بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تجمّد كل شيء في مكانه حيال هذا الموضوع، وتوقف تلقيم الصالونات السياسية بسيناريوهات الإيقاع بحزب الله من خلال التحقيق الدولي، ليتداول همسا في مجالس خاصة، لكن بالمقابل تدفقت الأسئلة باتجاه المحكمة الدولية، ليس لتصب في مجرى توقعات ما سيحمله قرارها الظني الموعود الذي تقلّب على عشرات المواعيد منذ خمس سنوات، إنما لتعيد تفحص أهلية هذه المحكمة في إصدار مثل هذا القرار، بعدما أدخلتها تجربتها الماضية في دائرة الشبهة، إن في استخدام تحقيقاتها لاتهام سوريا، وإن لجهة قضية الضباط الأربعة، أو حيال شهودها الزور الطلقاء.تلك التجربة معطوفة اليوم على التسريبات الأخيرة التي استهدفت رمزا كبيرا من المقاومة؛ أعادت المحكمة إلى مربع التشكيك الأول الذي خطه لها ديتليف ميليس عندما فتح أبواب التحقيق الدولي لكل أنواع الاستخدام السياسي ضد سوريا، وإذ كان تصويب الاستخدام اليوم باتجاه المقاومة، بات الارتياب بقدرة المحكمة على تنزيه نفسها عن التدخلات المغرضة هو ارتياب محق، وهذا يلقي عبئا ما على مسؤولي المحكمة لاستنقاذ هيئتهم من السقوط، فلم يعد الانزعاج منها يقتصر على التحوط من أخطارها على لبنان، إنما هناك من يدعو صراحة إلى إلغائها وتكليف هيئة قضائية محلية أو عربية بديلة تتولى كشف الحقيقة.
غرفة سوداء تدير المحكمة الدولية
أمين سر "شبيبة جورج حاوي من أجل الاستقلال والعدالة" رافي مادايان الذي عايش تجربة المحكمة بحكم شمول اختصاصها قضية اغتيال والده، لا يرى أن مجرد وجود قضاة ومحققين يتمتعون بالمناقبية والكفاءة المطلوبتين في سدة المحكمة الدولية، يوفر مناعة ذاتية لهذه المحكمة بوجه الاختراقات المغرضة، ويمنحها القدرة على مقاومة استخدامها خلافا للأهداف المعلنة من إنشائها. ويذكّر في هذا المجال بأن فكرة إنشاء المحكمة لم تتأسس بالأصل على ـ فقط ـ دافع كشف حقيقة من حرّض ومن خطط ومن نفذ اغتيال رفيق الحريري، فحماسة أصحاب هذه الفكرة كانت تحركها دوافع أخرى ترتبط بما كان يحضّر للمنطقة من هندسة سياسية جديدة، فقد تم تشكيل فريق التحقيق الدولي في لحظة انطلاق المشروع الأميركي الإسرائيلي الذي كان يجاهر علنا بأنه عاقد العزم على تفكيك مجتمعات المنطقة إلى مكونات من الصعب احتواؤها في ظل النظام الإقليمي المعمول به.
وإذ يلفت ماديان إلى وجود الكثير من الثقوب في بنية المحكمة كان من المفترض إقفالها، إلا إنه يؤكد أن أصحاب فكرة إنشاء المحكمة عرفوا كيف يستفيدون من هذه الثقوب ليمددوا من خلالها خيوط السيطرة والإمساك بها عن بعد عبر غرفة سوداء أنشئت خصيصا لإدارة وتوجيه عمل المحكمة، ويقول "سبق وقلت إن هناك غرفة سوداء تدير وتخطط لأعمال هذه المحكمة، وهذه الغرفة ليست توهماً، إنما هي حقيقة موجودة، وقد تلمست وجودها مع الشهيد جورج حاوي، وقد بدأت في زمن الرئيس جاك شيراك وبرزت إلى حيز الفعل بعد اغتيال رفيق الحريري فورا".
ويقول ماديان "ان هذه الغرفة كانت تضم بداية فرنسيين ومصريين، وفيما بعد دخل عليها الأميركيون للمشاركة في التوجيه والإفادة من تقاطع المعلومات، وكانت أولى بصماتها في عمل المحكمة تعيين القاضي الألماني ديتليف ميليس على رأس فريق التحقيق الدولي، وتوصية تعيينه جاءت من معلمه المتخصص في محاربة المنظمات التحررية والثورية المناوئة للسيطرة الأجنبية، وهو القاضي الفرنسي جان لوي بروغيير".
الدخول الإسرائيلي على قضية الحريري
ويعطي ماديان لمحة خاطفة عن "بروغيير" الذي دخل على التحقيق الدولي من بوابة اغتيال سمير قصير، ويذكر بحادثة تؤرخ تعاونه مع الموساد الإسرائيلي، عندما حاول اختطاف القائد الفلسطيني جورج حبش وهو على فراش المرض أثناء وجوده في فرنسا للمعالجة قادما من تونس، وكاد أن ينجح في مهمته ويؤدي خدمة كبيرة لـ"إسرائيل" لولا تدخل الحكومة التونسية بإنقاذ ضيفها المريض وتهديدها باريس بأزمة ديبلوماسية لها عواقبها على الدولة الفرنسية.
ويلقي الضوء ماديان على تجربته مع بروغيير عندما قابل فريقه الذي قدم إلى لبنان للتحقيق في جريمة اغتيال سمير قصير، ويقول "قابلني هذا الفريق لساعات طويلة، ومن خلال النقاشات معه، فهمت أن هذا الفريق هو الذي يخطط لأعمال المحكمة الدولية، وقد استشفيت ذلك من أسئلته التي ذهبت بعيدا جدا عن جريمة قصير، وكان يركز أسئلته على كيفية إيجاد أشخاص عملوا سابقا مع ما سمي النظام الأمني اللبناني السوري المشترك، إضافة إلى سعيهم لفهم التراتبية ومنظومة علاقات الإمرة في هذا النظام من قواعده الدنيا وصولا إلى موقع رأس النظام في سوريا".
وعلى ما ينقل ماديان، فقد صارحه أعضاء الفريق بافتقادهم لأدلة ووثائق تثبت تورط النظام السوري بجريمة الاغتيال، وقالوا امامه: "يكفي أن يأتينا ضابط أو عنصر كان يعمل في النظام الأمني المذكور، ويقبل المثول أمام المحكمة الدولية لإدانة الرئيس السوري".إلى هذا، كان يلحظ ماديان وجود الغرفة السوداء من خلال اللقاءات التي تواصل فيها مع المحققين الدوليين، ويرد طول المدة الزمنية التي قضاها هؤلاء المحققون دون أن يصدروا مضبطة اتهام قانونية يمكن أن تستند إليها عملية المحاكمة، إلى أنهم كانوا متفرغين للإلمام بتفاصيل الحياة السياسية اللبنانية واسترجاع الأحداث التي شهدتها البلاد، ويقول "لو كان عملهم محصورا فقط في الجانب الجنائي العلمي والقانوني والقضائي لكنا انتهينا منذ خمس سنوات من قضية اغتيال الحريري، لكن من أشرت إليهم يحركون المحكمة الدولية ببعد واحد، هو البعد السياسي، وهذا ما يؤخر ظهور الحقيقة".
وعن طاقم الغرفة السوداء يقول ماديان إنه ينخرط في صفوفه مسؤولون سياسيون وأمنيون من أكثر من بلد في العالم يعتبرون أنفسهم معنيين بشؤون المنطقة، وبينهم شخصيات سياسية وأمنية لبنانية.
أما عن دخول الموساد على خط المحكمة، فيرى ماديان أن ذلك لا يمكن تحاشيه نظرا للتعاون والتنسيق الذي يقيمه الموساد مع الأجهزة الأمنية في العالم وخاصة في اوروبا، إضافة إلى اختراقاته لهذه الأجهزة، وما يعزز فعالية الموساد في عمل المحكمة الدولية، أن هذه المحكمة لا تحصر مادة عملها بأدوات الكشف الجنائي والأساليب العلمية المعروفة في استخراج الأدلة والبيّنات والقرائن للكشف عن الجرائم التي تتولى التحقيق فيها، "إنما تستند في عملها الى مصادر استخبارية، ومعروف ما هي المادة الاستخبارية التي توفرها هذه المصادر للمحكمة، وبتقديري هذه الغرفة، تبعث من حين لآخر برسائل ضغط وتعمل ضمن سياقات معينة متصلة بمصالح الولايات المتحدة الأميركية ومصالح بعض الدول الغربية وبشكل طبيعي مصالح إسرائيل".
ويضيف ماديان بضرورة التسليم بوجود اختراقات واضحة في المحكمة، وهذه المسألة ناجمة بنظره "عن أن فريق التحقيق الدولي وهيئة المحكمة مؤلف من عدد من المحققين وضباط الأمن والأشخاص المرتبطين بدول، وبالتالي هؤلاء ملزمون بأن يخبروا دولهم بالمعلومات التي يحصلون عليها عبر وظائفهم في التحقيق والمحكمة، ولا يصدهم عن هذا الالتزام العقود والتعهدات التي يبرمونها مع مجلس الأمن الدولي".
الصفقة المرفوضة
وينسب ماديان التسريبات الأخيرة التي استهدفت دائرة معينة في المقاومة، إلى هذه الغرفة السوداء التي تدير وتخطط لعمل المحكمة، مع عدم استبعاده وجود متواطئين من داخل المحكمة لتصريف هذه التسريبات، ويكشف أنه "في السنوات الأربع الأخيرة التي قابلت فيها لجنة التحقيق الدولية في المونتفيردي، لم يحدث إطلاقا أن سمعت من فريق التحقيق أسئلة تتعلق بعلاقة حزب الله المزعومة بالاغتيالات، بما في ذلك اغتيال الوالد (جورج حاوي)، لكن الكلام الوحيد الذي سمعته عن وجود مثل هذه العلاقة هو من مسؤولين لبنانيين، وقالوا فيه: ان حزب الله والحرس الثوري الإيراني لهما علاقة باغتيال جورج حاوي واغتيالات أخرى".
وهنا يبدي ماديان استغرابه لهذا التحول المفاجىء في حركة التحقيق الدولي والذي تشير إليه التسريبات الأخيرة ويقول "لذلك أتعجب، أنه كيف من الممكن أن تأتي المحكمة الدولية وتركز أسئلتها على النظام السوري، ثم نرى اليوم هذه الانعطافة غير المتوقعة في التسريبات التي تستهدف حزب الله وتحيّد السوريين، وهذا يؤكد أن كل مرحلة لديها هدف سياسي معين، وهناك طرف معين يجب الضغط عليه من خلال توجيه الأسئلة والاتهامات، وهذا ما لحظناه في الفترة الماضية، ففي حقبة ميليس جرى التركيز على سوريا، وفي حقبة براميرتس كانت الوجهة نحو السلفيين، وكما يبدو في حقبة بلمار يجري التصويب نحو المقاومة".
يؤكد ماديان أن الرئيس سعد الحريري كان على اطلاع كامل على أجواء ما يدور في المحكمة وما وراء جدرانها، ومن بينها التسريبات الأخيرة، التي كان المراد منها عقد صفقة رفض حزب الله رفضا مطلقا مجرد التحدث عنها، واعتبرها من بنات أفكار التخطيط الإسرائيلي لأنها تطيح بالحقيقة وتؤسس لفتنة داخلية.
وإذ يرى ماديان جمودا في حركة التسريب، فإنه يرد ذلك إلى "الموقف الحازم لحزب الله تجاه هذه المسألة، ومدارة من الحريري لمصلحة دولة عربية على علاقة وثيقة معه، إضافة إلى أن الحريري بدوره أدرك متأخرا خطورة هذه اللعبة على مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي".
لا يستبعد ماديان معاودة التسريب مرة أخرى، ويرى أن التوقف عند هذا الحد "ليس سوى فرملة موقتا، فرضتها الاعتبارات التي ذكرتها سابقا، فحصل تدخل من قبل هذه الدولة لدى قيادة المحكمة الدولية ولدى الغرفة السوداء لفرملة التسريب، وبعد امتثال الحريري لضرورات الفرملة، ظهر فجأة مسؤول القاعدة المزعوم صالح القرعاوي ليبدي استعداده لتبني التسريبات بالنيابة عن سعد الحريري، وهذا ما قد يحدث لاحقا في حال استمرار المحكمة عرضة للاستخدام والتدخلات المغرضة".
وهل يعتبر ظهور شاهد الزور في مقابلة مع جريدة "السياسة" الكويتية ومن ثم افتتاحية كل من أحمد الجارالله وحسن صبرا في "السياسة" والشراع"، هي رسالة من الغرفة السوداء بأن مسؤولي المحكمة الدولية غير قادرين على وضع حد لاستخدام المحكمة والتحقيق، وأن هذه الغرفة ستعود إلى التسريب مرة أخرى، يؤكد ماديان أن العوامل التي تؤدي إلى استخدام المحكمة من قبل جهات خارجية لها أجندتها الخاصة من وراء وجود المحكمة ليس بمقدور قيادة هذه المحكمة إزالتها، والتسريب المحرض على المقاومة، ولو انكفأ بالوقت الحالي إلا أنه يرتبط بالحراك السياسي الذي تقوده إسرائيل وحلفاؤها في المنطقة والعالم ضد سلاح المقاومة، ولأجل تطويع الوضع في العراق وما يعد من مشاريع ترانسفير جديدة للفلسطينيين في القدس الشرقية وداخل ما يسمى الخط الأخضر، لذا فمنسوب التسريب ودرجته وحدته تتحدد على ضوء مقتضيات هذا الحراك الذي يستهدف سلاح المقاومة، إن بالتهويل بالفتنة المذهبية أو الذهاب إلى إشعالها إن اقتضى الأمر.وخلافا للبعض الذي اعتبر التسريبات الأخيرة محاولة تمهيدية لإحياء سيناريو دير شبيغل، يذهب ماديان في خشيته إلى أبعد من ذلك، "وهو أن تتطابق الأسماء المتهمة من حزب الله وفقا للتسريبات مع نفس لائحة الأسماء المتهمة من قبل السلطات الأميركية في تفجير السفارة الأميركية ومقر المارينز في بيروت سنة 1983، وهي اللائحة التي حملتها مادلين اولبرايت إلى الرئيس الراحل الياس الهراوي مطالبة إياه بتسليم أصحابها إلى واشنطن عبر الانتربول".
إلغاء المحكمة الدولية
لا يتوقع ماديان صدور قرار اتهامي عن المحكمة الدولية في المدى المنظور، وعلى خلفية التمادي في استخدامها لحاجات سياسية وأمنية من قبل دول معروفة، يرى أن من مصلحة الرئيس سعد الحريري استرداد التحقيق الدولي بقضية اغتيال رفيق الحريري لمصلحة القضاء المحلي، الذي بات مصلحة وطنية في ظل هذه الظروف التي يبحث فيها العدو عن حروب بديلة تغنيه عن مواجهة المقاومة عسكريا. وإذا كان البعض في لبنان ما زال يشكك بقدرة القضاء الوطني على البت في هذه القضية لا يجد ماديان مانعا من العودة إلى اقتراح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بتشكيل لجنة تحقيق عربية تتولى الكشف عن حقيقة اغتيال رفيق الحريري.
ويضيف لتبرير اقتراحه، أن أي قرار سوف يصدر عن المحكمة هو عرضة للإبطال أو التخلف عن الصدور، وهو يذكّر بأن نظام المحكمة وإنشاءها يمكن الطعن بهما كون إقرارهما مخالفا لأحكام الدستور اللبناني، لأن اتفاق حكومة السنيورة مع الأمم المتحدة (الذي وضع لبنان تحت طائلة مواد الفصل السابع، أي ممارسة وصاية دولية عليه) يجب أن تنطبق عليه الأصول الدستورية الواجبة في عقد المعاهدات لجهة توقيع رئيس الجمهورية وموافقة مجلس النواب، وهذا لم يحدث، وفي وقت ما زال قسم كبير من اللبنانيين ينزع الشرعية عن أعمال هذه الحكومة.
ويلفت ماديان إلى وجود عوائق ذاتية تفرض على المحكمة ضوابط في صدور قرارها الظني، ويذكر هنا بما قاله رئيس المحكمة انطونيو كاسيزي عندما أكد أن المحكمة لن تصدر قرارا يتسبب بانقسام اللبنانيين أو يهز استقرارهم، إضافة إلى تعهد مساعد بلمار أمام ماديان بأن أي قرار يصدر عن المحكمة لا يقتنع به ذوو الضحايا لن يكون ساريا، لأن هؤلاء على حد تعهده شركاء في عمل المحكمة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018