ارشيف من :أخبار لبنانية
المحكمة الدولية الخاصة بلبنان:ست شوائب تطيح بالمصداقية
المصدر: خبر اونلاين
الياس سالم
مضى عام ونيف على بدء العمل بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم اللاحقة المتصلة بها وتلك التي وافق مجلس الامن على قيام لجنة التحقيق الدوليةبالتحقيق بها.فور بداية عمل المحكمة انتهى عمل لجنة التحقيق وبدأ عمل الادعاء العام للمحكمة و بالتالي تحول رئيس اللجنة الكندي دانيال بلمار الى مدع عام .كان اول اجراء قضائي اتخذته المحكمة هو اطلاق سراح الضباط الاربعة بعد احتجازدام نحو اربع سنوات نشب خلالها جدال طويل حول تحديد السلطة صاحبة الصلاحية في البت بطلبات اخلاء السبيل التي تقدم بها الضباط المحتجزون عبر وكلائهم.القضاء اللبناني ممثلا بالنيابة العامة التمييزية وقاضي التحقيق العدلي نأى بنفسه عن صلاحية البت بطلبات اخلاء السبيل عازيا سبب التوقيف الى توصية من لجنة التحقيق الدولية فيما بالمقابل ذكرت اللجنة الدولية في تقاريرعدة ان البت بطلبات اخلاء السبيل تلك هو من صلاحية القضاء اللبناني وبين التذرع بالتوصية الدولية ورمي الصلاحية على القضاء اللبناني احتجزت حريات الضباط الاربعة في توقيف لم يعثر على مشابه له في اي قضاء في العالم.
والمعروف ان توصية القضاء الدولي بتوقيف الضباط استندت الى شهادة المدعو محمد زهير الصديق التي لم تعتد بها المحكمة الدولية واعتبرته شاهد زور.
كان ذلك اول اجراء اتخذته المحكمة التي تخلصت بذلك من عبء التوقيف الشاذ للضباط الاربعة وبعدها وعلى حد ما جاء في البيانات الصحافية للمدعي العام بلمار تابعت عملها بالتحقيق في الجريمة.خلال السنة الاولى من عمر المحكمة تبلورت جملة شوائب في عملها وعمل الادعاء العام جعلت من مصداقيتها محط شكوك وطرح تساؤلات عديدة.
الشائبة الاولى:
شهود الزور:وهم المدعوون محمد زهير الصديق وهسام هسام وابراهيم جرجورة وغيرهم ممن تقدم من اللجنة ومن جانب الادعاء اي فريق ذوي الرئيس الشهيد رفيق الحريري وادلى بمعلومات تبين فيما بعد انها مغلوطة ومزورة واخذت التحقيق باتجاهات اقل ما يقال انها مغايرة للحقيقة وتسببت بتوقيف اربعة رؤساء للاجهزة الامنية لمدة نحو اربع سنوات.لاشك ان ثمة دافعا لاولئك الشهود للادلاء بشهاداتهم فهم لم يكونوا في مكان الحادث ولم يستدعوا الى التحقيق بناء على استقصاءات اجهزة التحقيق بل جاءوا من تلقاء انفسهم وبناء على تصميم مسبق لايمكن ان يكون الا متصلا بالجريمة في مكان ما.هل يعقل ان يتقدم شخص بشهادة كاذبة ومزورة في جريمة بهذا الحجم دون دوافع لها مصلحة ما في تضليل التحقيق واضاعة جهوده؟ اليس ذلك كافيا للاشتباه باولئك الشهود الزور بعلاقتهم بالجريمة ويستوجب التحقيق معهم لمعرفة دوافعهم وتحديد الجهة التي تقف وراءهم؟كل ذلك لم تنظر اليه المحكمة الدولية واكتفت بالقول ان شهاداتهم مزورة دون ان تلاحقهم خصوصا انهم على علاقة ما بالجريمة التي تجهد المحكمة لمعرفة مرتكبيها ؟
والغريب في شأن هذه المحكمة ما قيل انها سوف تحاكم وتعاقب اعتبارا من تاريخ انشائها كل من يشهد زورا او يضلل التحقيق اما خلال المرحلة قبل ذلك فلا تسري عليه شروط المحكمة وان التحقيق الذي جرى قد استبعد كليا كما استبعد الشهود الزور وكأنهم غير موجودين.واللافت ان شاهد الزور محمد زهير الصديق استأنف نشاطه التشويشي على المحكمة وذلك خلال مقابلة اجرتها معه جريدة السياسة الكويتية في 12 نيسان 2010 انطلق فيها من اتهام سوريا واجهزة الامن اللبنانية الى تخصيص حزب الله بحصة في المشاركة بالجريمة عبر اتهام عناصر من الحزب بتأمين المساعدة اللوجستية لعملية الاغتيال.
ان فشل المحكمة بتوضيح حقيقة الشهود الزور ودورهم في الجريمة يطرح الكثير من التساؤلات حول جدية المحكمة في كشف الجريمة في مرحلة التحقيق التي يتولاها الادعاء العام وعلى مصداقيتها مستقبلا في سير اجراءات المحاكمة وهنا نطرح سؤالا عن الاشخاص الذين سيدعي عليهم بلمار ويتم توقيفهم وسوقهم الى هيئة هذه المحكمة وعلى اي اساس سوف يجري ذلك طالما ان توقيفات سابقة جرت من دون ان توضح المحكمة ملابساتها والظروف المحيطة بالشهود الزور خصوصا ان تلك التوقيفات احدثت انقسامات في الداخل اللبناني واثرت سلبا على الاستقرارالعام في البلاد.
الشائبة الثانية: نظام الاجراءات والادلة وهو الذي يسمح للمحكمة باستجواب اشخاص بناء لشهادات سرية من اشخاص لا تبوح المحكمة باسمائهم لدواعي حمايتهم.من المعروف انه يمكن في حالات التحقيق ابقاء اسماء الشهود مكتومة لان التحقيق بمجمله يكون سريا فلا غضاضة في ابقاء اسماء الشهود سرية خدمة للتحقيق.اما في المحاكمة فمن المتعارف عليه في كافة الشرائع انها تجري علانية و تحفظ حقوق المتهم في الدفاع عن نفسه.في هذه الحالة كيف يمكن للمتهم ان يدافع عن نفسه ضد تهمة اطلقها ضده شخص يمنع عليه ان يعرف من هو!والتهمة عادة تتلازم مع مطلقها ولا معنى لها من معرفة مطلقها ,ثم كيف تتحمل هيئة المحكمة مسؤولية اغفال الشاهد اثناء المحاكمة وكيف تتحقق الشفافية في اصدار الاحكام؟
الشائبة الثالثة: القضاة والموظفون هل هم محايدون؟
اذا كان من الصعب بل من المتعذر التحقق من مصداقية وكفاءة القضاة والموظفين غير اللبنانيين وورود القليل من المعلومات عن السير الذاتية لبعضهم فعلى الاقل يمكن التساؤل عن سير وسلوك اللبنانيين منهم ونظرا لحساسية الموضوع وتطرقه لسلطة قضائية لا يجوز قانونيا واخلاقيا التشكيك بها فاننا نذكر بعض المعطيات المعلنة والمنشورة في وسائل الاعلام. من المعروف ان القاضي اللبناني العضو في هيئة المحكمة كان قد اصدر قرارا نحى بموجبه قاضي التحقيق العدلي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بسبب معلومات عن تلقيه قسائم محروقات(بنزين)من احد الاجهزة الامنية . بعد اكثر من سنتين ونحو ثلاثين الف صفحة من التحقيقات والمستندات في جريمة هزت استقرار لبنان والمنطقة ,يقال المحقق الاساسي فيها بسبب تلقيه قسائم بنزين.لماذا لم يفطن القاضي رياشي وغيره الى هذا الموضوع منذ سنتين ؟وهل كان القاضي المعزول وحده من تقاضى قسائم بنزين,الم يكن البعض من المشاركين بالتحقيق يتقاضون قسائم مثله؟ثم هل يعتبر تلقي مثل هذه القسائم رشوة توجب عزل قاضي تحقيق في جريمة بهذا الحجم؟ المعروف ان معظم قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق يتلقون قسائم بنزين تعويضا عن الانتقال الى مواقع الجرائم والاحداث التي يجرون تحقيقات بها وذلك لعدم توفر وسائل النقل اللازمة .لقد صدر قرار عزل قاضي التحقيق بعد شيوع اخبار انه ينوي اصدار مذكرة اخلاء سبيل بعض الضباط الموقوفين فجاءت واقعة قسائم البنزين لتطيح به.
القاضي الذي اصدر هذا القرار العجيب والملتبس والذي لا يخلو من التحيز ولم يستطع تبريره هو اليوم عضو في هيئة المحكمة الدولية !
اما مستشار المدعي العام للمحكمة اللبناني دريد بشراوي فقد سبق وان نشر مقالا في صحيفة لبنانية يومية اتهم فيه سوريا بالوقوف وراء جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري اخذا بذلك جانب فريق من اللبنانيين اصر على اتهام سوريا بارتكاب الجريمة .كيف يكون مثل هذا الشخص محايدا؟ هل يمكن الوثوق بنزاهته المطلوبة؟ اضف الى ذلك الناطقة الاعلامية باسم المحكمة فاطمة عيساوي والتي جاءت من المؤسسات الاعلامية لفريق سياسي يتهم سوريا بالجريمة وكتبت مقالا في صحيفة عربية يومية في 14 شباط2009 اتهمت فيه سوريا بارتكاب الجريمة,اين الحياد والمصداقية؟
يمكننا ان نزيد الى ما سبق ما قيل عن الماضي المخابراتي والبوليسي المرتكب ممارسات غير قانونية في بلاده اوغيرها لبعض مسؤولي التحقيق من غير اللبنانيين والتي تضع تركيبة المحكمة برمتها تحت الريبة.
الشائبة الرابعة:الشفافية المالية :
في 24 تشرين الثاني نوفمبر2006 وفي رسالة من رئيس مجلس الامن الى الامين العام للامم المتحدة تقرر تمويل المحكمة الدولية كما يلي:
51% على عاتق دول متبرعة
49% على عاتق الحكومة اللبنانية
.تبلغ قيمة المتوجبات على لبنان 30 مليون دولار انفقت خلال العام المنصرم و سوف ينفق مثلها كل عام حتى انتهاء المحاكمات وصدور الاحكام.هذا بالاضافة الى الكلفة الاجمالية للجنة التحقيق الدولية منذ مطلع عام 2006 وحتى شباط ,فبراير 2009 والتي بلغت نحو 100 مليون دولار.لم يصدر اي بيان مالي عن لجنة التحقيق ولا عن المحكمة يظهر كيفية انفاق هذه المبالغ والطريف ان الحكومة اللبنانية نفسها لا تتكلف عناء السؤال عن وجهة صرف هذه الاموال كما ان الامانة العامة للامم المتحدة والمسؤولة لوجستيا بالاضافة لمسؤولياتها السياسية والقانونية لم تصدر اي بيان محاسبي لتاريخه.ما هو راتب رئيس المحكمة والقضاة وكم تبلغ رواتب الموظفين ونفقات المحكمة؟كيف نثق بشخص لا يظهر شفافيته المالية وخصوصا في مثل هذه القضية المصيرية ؟ كيف نلوم البعض عندما يعزو سبب البطء في سير العملية القضائية الى رغبة في اطالتها نظرا للرواتب الخيالية؟هل نلوم البعض حين يتحدث عن رواتب تزيد عن 100,000 يورو شهريا بغياب اي اعلان محاسبي وشفافية مالية للمحكمة؟
الشائبة الخامسة: الاستقالات الغامضة
يعتبر تماسك ووحدة الجهاز القضائي ركنا اساسيا للثقة بالمؤسسة واهتزازها بتغيير من هنا وهناك يترك اثرا سلبيا على صورة القضاء والمحاكم .في حالة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان نضيف على ذلك اهتزازا في ولادتها وفي تكوينها قبل ان تبدأ التغييرات فيها الناجمة عن استقالات كثيرة طرحت تساؤلات اكثر عن ظروفها واسبابها وابعادها.
من المعلوم ان المحكمة الدولية بصيغتها الراهنة لم تحظ باجماع وطني لبناني علما ان مبدأ المحكمة متفق عليه بين جميع القوى السياسية لكن شتان ما بين الاتفاق على المبدأ والخلاف الكبير على تفاصيل التأليف والصلاحيات واعتبارها اتفاقا بين الحكومة اللبنانية والامم المتحدة .رئيس الجمهورية وهو السلطة الدستورية المخولة حسب الدستور بعقد المعاهدات والاتفاقات الخارجية لم يستشر ولم يوافق على صيغتها ووجه رسائل الى الامين العام للامم المتحدة ضمنها ملاحظات اساسية على بنود كثيرة في الاتفاقية التي تنشئها .في السياسة نجد ان الحكومة التي وقعت اتفاقية المحكمة خلافا للدستور اللبناني, لم يكن قسم كبير من اللبنانيين يعترف بها بل كان ينزع عنها صفة الشرعية فجاءت الاتفاقية على انها بين فريق من اللبنانيين والامم المتحدة من اجل ان تحاكم على الارجح فريقا اخر من اللبنانيين وهي بذلك اتخذت صفة تصادمية لا تصلح ابدا لاجراء تحقيقات ومحاكمات عادلة وشفافة.
شهدت المحكمة ولجنة التحقيق استقالات من مناصب اساسية بدءا من استقالة رئيس لجنة التحقيق الالماني ديتليف ميليس بعد 6 اشهر وحل مكانه البلجيكي سيرج براميرتز الذي بقي في منصبه عامان لغاية مطلع 2008 ليحل مكانه الكندي بلمار.في 18 نيسان 2009استقال مقرر المحكمة روبرت فنسنت البريطاني ثم عين مكانه الاميركي ديفيد تولبرت ليعود ويستقيل بعد نحو خمسة اشهر. استقال كبير المحققين الاسترالي كالداس بعد سنة من تسلمه منصبه,كما استقال احد قضاة المحكمة هاورد موريسون .هذه الاستقالات في اللجنة وفي المحكمة اوحت ان هناك شيئا ما في هذه المحكمة يؤدي الى الاستقالة ويعيق عمل المحكمة ويؤخره نظرا للوقت الطويل المطلوب للمسؤول الجديد حتى يتمكن من ممارسة مهامه.كما تفتح هذه الاستقالات الباب امام تكهنات حول خلافات تجري داخل المحكمة تؤدي الى حصول الاستقالات.
الشائبة السادسة: التسريبات المريبة
شهد التحقيق الدولي منذ بدايته عام 2005 تسريبات غير عادية قلما تحصل في دول العالم فقد كانت احدى الصحف تنشر ان لجنة التحقيق سوف تدهم شقة وبالفعل تذهب في اليوم التالي عناصر من اللجنة لتدهم الشقة نفسها وفي احد الحالات حصل خطأ في تحديد الشقة ونشر الخطأ في وسائل الاعلام ونفذ الخطأ من قبل لجنة التحقيق الدولية(شقة معوض)! .نشرت بعض الصحف لا سيما السياسة الكويتية سيناريو للجريمة يتضمن اسماء المنفذين ونوع الشاحنة ومكان انطلاقها وخط سيرها ثم جاءت لجنة التحقيق لتتابع التحقيق تماما على المسار الذي رسمته الصحيفة .اثار ذلك استغراب واستهجان اللبنانيين الذين عقدوا الامال على اللجنة واعتبروا ان لديها نوع من الامكانات السحرية لكشف الجريمة بكل تفاصيلها فاذا بها تتبع مسار صحيفة اوكاتب صحافي او مقدم برامج تلفزيوني لايتمتع بثقة الجمهور. لقد جرى استغلال هذا التسريب سياسيا من اجل شن حملات سياسية واعلامية ضد فريق لبناني او عربي من دون اي اسهام في كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري.(لاحظ ان شعار الحقيقة كان اقصر الشعارات عمرا وسرعان ما ذوى).لم يتوقف التسريب ,بل اتخذ اشكالا متعددة وجاء تلبية لحاجات سياسية تتعلق بمصالح دول معادية واخرى لها اهداف خاصة. بعد حرب تموز 2006 وفشل اسرائيل في القضاء على المقاومة اللبنانية الامر الذي اعتبر نصرا تاريخيا مبينا, نشرت صحيفة لو فيغارو خبرا يتهم حزب الله باغتيال الحريري نقلا عن مصادر بعضها في لجنة التحقيق وتكرر الامر في صحيفة السياسة الكويتية ثم بلغ التسريب حدا كبيرا في الرواية التي نشرتها مجلة درشبيغل الالمانية قبل الانتخابات النيابية في حزيران 2009 وكذلك نقلا عن مصادر المحكمة الدولية.ومن الواضح ان سبب التسريب هو استغلاله سياسيا ضد حزب الله.
فشل المدعي العام في المحكمة في التعامل مع التسريبات والتنصل منها ,فالتسريبات جرى استغلالها سياسيا واسهمت في تغيير اوضاع سياسية واحداث اضطرابات امنية و تعريض امن البلاد واستقرارها للخطر ولم يحرك المدعي العام ساكنا ولم يتخذ الامين العام للامم المتحدة المسؤول السياسي عن هذا القضاء اي اجراء او موقف من التسريبات رغم مفاعيلها واضرارها.
هذه الشوائب الست بالاضافة الى الثغرات القانونية العديدة ولا مجال لذكرها الان, جعلت من هذه المحكمة هيئة فاقدة للمصداقية ما لم تتخذ اجراءات فورية لتصحيح الخلل الكبير في ادائها واعادتها الى الاداء المهني القضائي الصحيح.تتلخص هذه الاجرءات بمحاكمة الشهود الزور ومن يقف وراءهم ونشر المحاسبة المالية للمحكمة واللجنة من اجل الشفافية ووقف التسريبات ومحاكمة المسربين بجرم استغلال التحقيق لمارب سياسية وابعاد الموظفين غير المحايدين من اللجنة وتوضيح الاسباب الحقيقية لاستقالة المسؤولين الكبار وقبل كل ذلك اعادة النظر بالاتفاقية المعقودة مع الحكومة اللبنانية وخصوصا نظام الاجراءات والادلة
الياس سالم
مضى عام ونيف على بدء العمل بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم اللاحقة المتصلة بها وتلك التي وافق مجلس الامن على قيام لجنة التحقيق الدوليةبالتحقيق بها.فور بداية عمل المحكمة انتهى عمل لجنة التحقيق وبدأ عمل الادعاء العام للمحكمة و بالتالي تحول رئيس اللجنة الكندي دانيال بلمار الى مدع عام .كان اول اجراء قضائي اتخذته المحكمة هو اطلاق سراح الضباط الاربعة بعد احتجازدام نحو اربع سنوات نشب خلالها جدال طويل حول تحديد السلطة صاحبة الصلاحية في البت بطلبات اخلاء السبيل التي تقدم بها الضباط المحتجزون عبر وكلائهم.القضاء اللبناني ممثلا بالنيابة العامة التمييزية وقاضي التحقيق العدلي نأى بنفسه عن صلاحية البت بطلبات اخلاء السبيل عازيا سبب التوقيف الى توصية من لجنة التحقيق الدولية فيما بالمقابل ذكرت اللجنة الدولية في تقاريرعدة ان البت بطلبات اخلاء السبيل تلك هو من صلاحية القضاء اللبناني وبين التذرع بالتوصية الدولية ورمي الصلاحية على القضاء اللبناني احتجزت حريات الضباط الاربعة في توقيف لم يعثر على مشابه له في اي قضاء في العالم.
والمعروف ان توصية القضاء الدولي بتوقيف الضباط استندت الى شهادة المدعو محمد زهير الصديق التي لم تعتد بها المحكمة الدولية واعتبرته شاهد زور.
كان ذلك اول اجراء اتخذته المحكمة التي تخلصت بذلك من عبء التوقيف الشاذ للضباط الاربعة وبعدها وعلى حد ما جاء في البيانات الصحافية للمدعي العام بلمار تابعت عملها بالتحقيق في الجريمة.خلال السنة الاولى من عمر المحكمة تبلورت جملة شوائب في عملها وعمل الادعاء العام جعلت من مصداقيتها محط شكوك وطرح تساؤلات عديدة.
الشائبة الاولى:
شهود الزور:وهم المدعوون محمد زهير الصديق وهسام هسام وابراهيم جرجورة وغيرهم ممن تقدم من اللجنة ومن جانب الادعاء اي فريق ذوي الرئيس الشهيد رفيق الحريري وادلى بمعلومات تبين فيما بعد انها مغلوطة ومزورة واخذت التحقيق باتجاهات اقل ما يقال انها مغايرة للحقيقة وتسببت بتوقيف اربعة رؤساء للاجهزة الامنية لمدة نحو اربع سنوات.لاشك ان ثمة دافعا لاولئك الشهود للادلاء بشهاداتهم فهم لم يكونوا في مكان الحادث ولم يستدعوا الى التحقيق بناء على استقصاءات اجهزة التحقيق بل جاءوا من تلقاء انفسهم وبناء على تصميم مسبق لايمكن ان يكون الا متصلا بالجريمة في مكان ما.هل يعقل ان يتقدم شخص بشهادة كاذبة ومزورة في جريمة بهذا الحجم دون دوافع لها مصلحة ما في تضليل التحقيق واضاعة جهوده؟ اليس ذلك كافيا للاشتباه باولئك الشهود الزور بعلاقتهم بالجريمة ويستوجب التحقيق معهم لمعرفة دوافعهم وتحديد الجهة التي تقف وراءهم؟كل ذلك لم تنظر اليه المحكمة الدولية واكتفت بالقول ان شهاداتهم مزورة دون ان تلاحقهم خصوصا انهم على علاقة ما بالجريمة التي تجهد المحكمة لمعرفة مرتكبيها ؟
والغريب في شأن هذه المحكمة ما قيل انها سوف تحاكم وتعاقب اعتبارا من تاريخ انشائها كل من يشهد زورا او يضلل التحقيق اما خلال المرحلة قبل ذلك فلا تسري عليه شروط المحكمة وان التحقيق الذي جرى قد استبعد كليا كما استبعد الشهود الزور وكأنهم غير موجودين.واللافت ان شاهد الزور محمد زهير الصديق استأنف نشاطه التشويشي على المحكمة وذلك خلال مقابلة اجرتها معه جريدة السياسة الكويتية في 12 نيسان 2010 انطلق فيها من اتهام سوريا واجهزة الامن اللبنانية الى تخصيص حزب الله بحصة في المشاركة بالجريمة عبر اتهام عناصر من الحزب بتأمين المساعدة اللوجستية لعملية الاغتيال.
ان فشل المحكمة بتوضيح حقيقة الشهود الزور ودورهم في الجريمة يطرح الكثير من التساؤلات حول جدية المحكمة في كشف الجريمة في مرحلة التحقيق التي يتولاها الادعاء العام وعلى مصداقيتها مستقبلا في سير اجراءات المحاكمة وهنا نطرح سؤالا عن الاشخاص الذين سيدعي عليهم بلمار ويتم توقيفهم وسوقهم الى هيئة هذه المحكمة وعلى اي اساس سوف يجري ذلك طالما ان توقيفات سابقة جرت من دون ان توضح المحكمة ملابساتها والظروف المحيطة بالشهود الزور خصوصا ان تلك التوقيفات احدثت انقسامات في الداخل اللبناني واثرت سلبا على الاستقرارالعام في البلاد.
الشائبة الثانية: نظام الاجراءات والادلة وهو الذي يسمح للمحكمة باستجواب اشخاص بناء لشهادات سرية من اشخاص لا تبوح المحكمة باسمائهم لدواعي حمايتهم.من المعروف انه يمكن في حالات التحقيق ابقاء اسماء الشهود مكتومة لان التحقيق بمجمله يكون سريا فلا غضاضة في ابقاء اسماء الشهود سرية خدمة للتحقيق.اما في المحاكمة فمن المتعارف عليه في كافة الشرائع انها تجري علانية و تحفظ حقوق المتهم في الدفاع عن نفسه.في هذه الحالة كيف يمكن للمتهم ان يدافع عن نفسه ضد تهمة اطلقها ضده شخص يمنع عليه ان يعرف من هو!والتهمة عادة تتلازم مع مطلقها ولا معنى لها من معرفة مطلقها ,ثم كيف تتحمل هيئة المحكمة مسؤولية اغفال الشاهد اثناء المحاكمة وكيف تتحقق الشفافية في اصدار الاحكام؟
الشائبة الثالثة: القضاة والموظفون هل هم محايدون؟
اذا كان من الصعب بل من المتعذر التحقق من مصداقية وكفاءة القضاة والموظفين غير اللبنانيين وورود القليل من المعلومات عن السير الذاتية لبعضهم فعلى الاقل يمكن التساؤل عن سير وسلوك اللبنانيين منهم ونظرا لحساسية الموضوع وتطرقه لسلطة قضائية لا يجوز قانونيا واخلاقيا التشكيك بها فاننا نذكر بعض المعطيات المعلنة والمنشورة في وسائل الاعلام. من المعروف ان القاضي اللبناني العضو في هيئة المحكمة كان قد اصدر قرارا نحى بموجبه قاضي التحقيق العدلي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بسبب معلومات عن تلقيه قسائم محروقات(بنزين)من احد الاجهزة الامنية . بعد اكثر من سنتين ونحو ثلاثين الف صفحة من التحقيقات والمستندات في جريمة هزت استقرار لبنان والمنطقة ,يقال المحقق الاساسي فيها بسبب تلقيه قسائم بنزين.لماذا لم يفطن القاضي رياشي وغيره الى هذا الموضوع منذ سنتين ؟وهل كان القاضي المعزول وحده من تقاضى قسائم بنزين,الم يكن البعض من المشاركين بالتحقيق يتقاضون قسائم مثله؟ثم هل يعتبر تلقي مثل هذه القسائم رشوة توجب عزل قاضي تحقيق في جريمة بهذا الحجم؟ المعروف ان معظم قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق يتلقون قسائم بنزين تعويضا عن الانتقال الى مواقع الجرائم والاحداث التي يجرون تحقيقات بها وذلك لعدم توفر وسائل النقل اللازمة .لقد صدر قرار عزل قاضي التحقيق بعد شيوع اخبار انه ينوي اصدار مذكرة اخلاء سبيل بعض الضباط الموقوفين فجاءت واقعة قسائم البنزين لتطيح به.
القاضي الذي اصدر هذا القرار العجيب والملتبس والذي لا يخلو من التحيز ولم يستطع تبريره هو اليوم عضو في هيئة المحكمة الدولية !
اما مستشار المدعي العام للمحكمة اللبناني دريد بشراوي فقد سبق وان نشر مقالا في صحيفة لبنانية يومية اتهم فيه سوريا بالوقوف وراء جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري اخذا بذلك جانب فريق من اللبنانيين اصر على اتهام سوريا بارتكاب الجريمة .كيف يكون مثل هذا الشخص محايدا؟ هل يمكن الوثوق بنزاهته المطلوبة؟ اضف الى ذلك الناطقة الاعلامية باسم المحكمة فاطمة عيساوي والتي جاءت من المؤسسات الاعلامية لفريق سياسي يتهم سوريا بالجريمة وكتبت مقالا في صحيفة عربية يومية في 14 شباط2009 اتهمت فيه سوريا بارتكاب الجريمة,اين الحياد والمصداقية؟
يمكننا ان نزيد الى ما سبق ما قيل عن الماضي المخابراتي والبوليسي المرتكب ممارسات غير قانونية في بلاده اوغيرها لبعض مسؤولي التحقيق من غير اللبنانيين والتي تضع تركيبة المحكمة برمتها تحت الريبة.
الشائبة الرابعة:الشفافية المالية :
في 24 تشرين الثاني نوفمبر2006 وفي رسالة من رئيس مجلس الامن الى الامين العام للامم المتحدة تقرر تمويل المحكمة الدولية كما يلي:
51% على عاتق دول متبرعة
49% على عاتق الحكومة اللبنانية
.تبلغ قيمة المتوجبات على لبنان 30 مليون دولار انفقت خلال العام المنصرم و سوف ينفق مثلها كل عام حتى انتهاء المحاكمات وصدور الاحكام.هذا بالاضافة الى الكلفة الاجمالية للجنة التحقيق الدولية منذ مطلع عام 2006 وحتى شباط ,فبراير 2009 والتي بلغت نحو 100 مليون دولار.لم يصدر اي بيان مالي عن لجنة التحقيق ولا عن المحكمة يظهر كيفية انفاق هذه المبالغ والطريف ان الحكومة اللبنانية نفسها لا تتكلف عناء السؤال عن وجهة صرف هذه الاموال كما ان الامانة العامة للامم المتحدة والمسؤولة لوجستيا بالاضافة لمسؤولياتها السياسية والقانونية لم تصدر اي بيان محاسبي لتاريخه.ما هو راتب رئيس المحكمة والقضاة وكم تبلغ رواتب الموظفين ونفقات المحكمة؟كيف نثق بشخص لا يظهر شفافيته المالية وخصوصا في مثل هذه القضية المصيرية ؟ كيف نلوم البعض عندما يعزو سبب البطء في سير العملية القضائية الى رغبة في اطالتها نظرا للرواتب الخيالية؟هل نلوم البعض حين يتحدث عن رواتب تزيد عن 100,000 يورو شهريا بغياب اي اعلان محاسبي وشفافية مالية للمحكمة؟
الشائبة الخامسة: الاستقالات الغامضة
يعتبر تماسك ووحدة الجهاز القضائي ركنا اساسيا للثقة بالمؤسسة واهتزازها بتغيير من هنا وهناك يترك اثرا سلبيا على صورة القضاء والمحاكم .في حالة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان نضيف على ذلك اهتزازا في ولادتها وفي تكوينها قبل ان تبدأ التغييرات فيها الناجمة عن استقالات كثيرة طرحت تساؤلات اكثر عن ظروفها واسبابها وابعادها.
من المعلوم ان المحكمة الدولية بصيغتها الراهنة لم تحظ باجماع وطني لبناني علما ان مبدأ المحكمة متفق عليه بين جميع القوى السياسية لكن شتان ما بين الاتفاق على المبدأ والخلاف الكبير على تفاصيل التأليف والصلاحيات واعتبارها اتفاقا بين الحكومة اللبنانية والامم المتحدة .رئيس الجمهورية وهو السلطة الدستورية المخولة حسب الدستور بعقد المعاهدات والاتفاقات الخارجية لم يستشر ولم يوافق على صيغتها ووجه رسائل الى الامين العام للامم المتحدة ضمنها ملاحظات اساسية على بنود كثيرة في الاتفاقية التي تنشئها .في السياسة نجد ان الحكومة التي وقعت اتفاقية المحكمة خلافا للدستور اللبناني, لم يكن قسم كبير من اللبنانيين يعترف بها بل كان ينزع عنها صفة الشرعية فجاءت الاتفاقية على انها بين فريق من اللبنانيين والامم المتحدة من اجل ان تحاكم على الارجح فريقا اخر من اللبنانيين وهي بذلك اتخذت صفة تصادمية لا تصلح ابدا لاجراء تحقيقات ومحاكمات عادلة وشفافة.
شهدت المحكمة ولجنة التحقيق استقالات من مناصب اساسية بدءا من استقالة رئيس لجنة التحقيق الالماني ديتليف ميليس بعد 6 اشهر وحل مكانه البلجيكي سيرج براميرتز الذي بقي في منصبه عامان لغاية مطلع 2008 ليحل مكانه الكندي بلمار.في 18 نيسان 2009استقال مقرر المحكمة روبرت فنسنت البريطاني ثم عين مكانه الاميركي ديفيد تولبرت ليعود ويستقيل بعد نحو خمسة اشهر. استقال كبير المحققين الاسترالي كالداس بعد سنة من تسلمه منصبه,كما استقال احد قضاة المحكمة هاورد موريسون .هذه الاستقالات في اللجنة وفي المحكمة اوحت ان هناك شيئا ما في هذه المحكمة يؤدي الى الاستقالة ويعيق عمل المحكمة ويؤخره نظرا للوقت الطويل المطلوب للمسؤول الجديد حتى يتمكن من ممارسة مهامه.كما تفتح هذه الاستقالات الباب امام تكهنات حول خلافات تجري داخل المحكمة تؤدي الى حصول الاستقالات.
الشائبة السادسة: التسريبات المريبة
شهد التحقيق الدولي منذ بدايته عام 2005 تسريبات غير عادية قلما تحصل في دول العالم فقد كانت احدى الصحف تنشر ان لجنة التحقيق سوف تدهم شقة وبالفعل تذهب في اليوم التالي عناصر من اللجنة لتدهم الشقة نفسها وفي احد الحالات حصل خطأ في تحديد الشقة ونشر الخطأ في وسائل الاعلام ونفذ الخطأ من قبل لجنة التحقيق الدولية(شقة معوض)! .نشرت بعض الصحف لا سيما السياسة الكويتية سيناريو للجريمة يتضمن اسماء المنفذين ونوع الشاحنة ومكان انطلاقها وخط سيرها ثم جاءت لجنة التحقيق لتتابع التحقيق تماما على المسار الذي رسمته الصحيفة .اثار ذلك استغراب واستهجان اللبنانيين الذين عقدوا الامال على اللجنة واعتبروا ان لديها نوع من الامكانات السحرية لكشف الجريمة بكل تفاصيلها فاذا بها تتبع مسار صحيفة اوكاتب صحافي او مقدم برامج تلفزيوني لايتمتع بثقة الجمهور. لقد جرى استغلال هذا التسريب سياسيا من اجل شن حملات سياسية واعلامية ضد فريق لبناني او عربي من دون اي اسهام في كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري.(لاحظ ان شعار الحقيقة كان اقصر الشعارات عمرا وسرعان ما ذوى).لم يتوقف التسريب ,بل اتخذ اشكالا متعددة وجاء تلبية لحاجات سياسية تتعلق بمصالح دول معادية واخرى لها اهداف خاصة. بعد حرب تموز 2006 وفشل اسرائيل في القضاء على المقاومة اللبنانية الامر الذي اعتبر نصرا تاريخيا مبينا, نشرت صحيفة لو فيغارو خبرا يتهم حزب الله باغتيال الحريري نقلا عن مصادر بعضها في لجنة التحقيق وتكرر الامر في صحيفة السياسة الكويتية ثم بلغ التسريب حدا كبيرا في الرواية التي نشرتها مجلة درشبيغل الالمانية قبل الانتخابات النيابية في حزيران 2009 وكذلك نقلا عن مصادر المحكمة الدولية.ومن الواضح ان سبب التسريب هو استغلاله سياسيا ضد حزب الله.
فشل المدعي العام في المحكمة في التعامل مع التسريبات والتنصل منها ,فالتسريبات جرى استغلالها سياسيا واسهمت في تغيير اوضاع سياسية واحداث اضطرابات امنية و تعريض امن البلاد واستقرارها للخطر ولم يحرك المدعي العام ساكنا ولم يتخذ الامين العام للامم المتحدة المسؤول السياسي عن هذا القضاء اي اجراء او موقف من التسريبات رغم مفاعيلها واضرارها.
هذه الشوائب الست بالاضافة الى الثغرات القانونية العديدة ولا مجال لذكرها الان, جعلت من هذه المحكمة هيئة فاقدة للمصداقية ما لم تتخذ اجراءات فورية لتصحيح الخلل الكبير في ادائها واعادتها الى الاداء المهني القضائي الصحيح.تتلخص هذه الاجرءات بمحاكمة الشهود الزور ومن يقف وراءهم ونشر المحاسبة المالية للمحكمة واللجنة من اجل الشفافية ووقف التسريبات ومحاكمة المسربين بجرم استغلال التحقيق لمارب سياسية وابعاد الموظفين غير المحايدين من اللجنة وتوضيح الاسباب الحقيقية لاستقالة المسؤولين الكبار وقبل كل ذلك اعادة النظر بالاتفاقية المعقودة مع الحكومة اللبنانية وخصوصا نظام الاجراءات والادلة
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018