ارشيف من :أخبار لبنانية
تخويف لا يخيف
نحن جميعاً في لبنان طلاب حياد. ولكن الحياد الذي نقبله هو الحياد الذي يقبله لبنان بملء حريته وبالاتفاق والانسجام مع الدول العربية».
البطريرك بولس بطرس المعوشي
(في 31 آب 1958)
لم يهنأ اللبنانيون بالملهاة التي أُعدّت لهم عبر الانتخابات البلدية والاختيارية، إذ سرعان ما طلعت عليهم إسرائيل، ومن ثم الولايات المتحدة بسلسلة من التهديدات على خلفية مزاعم، استحال إثباتها إلى الآن، بأن سوريا زوّدت المقاومة في لبنان أسلحة متطورة جداً بينها صواريخ «سكود» التي تستطيع ـ إذا ثبُت وجودها مع «حزب الله» ـ الوصول إلى كل المدن والمواقع الاستراتيجية داخل إسرائيل.
وذهب وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أبعد من نظيره الإسرائيلي إيهود باراك الذي قال إن صواريخ «سكود» من شأنها «الإخلال بالتوازن الدقيق» في المنطقة. فقد أكد غيتس «أن سوريا وإيران تزوّدان «حزب الله» قذائف وصواريخ ذات قدرات عالية الأهمية». مضيفاً أن الحزب بات يملك من القذائف والصواريخ «أكثر من غالبية حكومات العالم».
ورأى نائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى السفير جيفري فيلتمان أن هذا التطور في تسليح المقاومة «يجب أن يقض مضجع جميع من يريد الاستقرار في المنطقة».
والواقع أن هذا التطور الكمي والنوعي في تسلّح المقاومة في لبنان يجب أن يقض مضجع إسرائيل ومعها الولايات المتحدة، أي الأطراف الذين يهددون الاستقرار في المنطقة، ويكرّرون التزامهم أمن إسرائيل، وبكلام آخر استمرار احتلالها للأراضي العربية سواء في فلسطين بما فيها غزة، أو في لبنان وسوريا، وأن الأساس الذي يُبنى عليه هذا الالتزام هو استسلام الدول العربية للمشيئة الإسرائيلية، من طريق إخراج الدول العربية، التي تملك قدرات عسكرية يعتد بها، من خط المواجهة مع تل أبيب، واحدة تلو أخرى؟
ونقل الكاتب والصحافي الكبير محمد حسنين هيكل عن رئيس الأركان المصري الراحل عبد المنعم رياض، في حديث أخير له على قناة «الجزيرة» القطرية، أن إسرائيل كانت في الاستراتيجية العسكرية المصرية تشبه النحلة، وأن الخطر يأتيها من سيناء في مصر، ومن وادي عربة في الأردن، أما سوريا فتهدد رأس النحلة، لكن ذلك لا يشكّل خطراً كبيراً على الدولة العبرية. لذلك جرى إخراج مصر والأردن من الصراع بواسطة معاهدتي السلام مع إسرائيل، وبقي رأس النحلة تحت المراقبة.
إلا أن التهديدات التي يتعرض لها لبنان هذه الأيام، بسبب الصواريخ، تكاد تنسي إسرائيل قضية النحلة وتضعها في مواجهة مارد خرج من قمقم منسي على الحدود الشمالية، وبات يقض مضجع واحد من أكبر جيوش العالم بعدما امتلك، بحسب الوزير غيتس، أكثر مما تملكه غالبية حكومات العالم». وكان المحامي اليهودي الأميركي آلان درشوفيتز شبّه حرب تموز 2006 بـ«أول معركة مهمة في العالم الثالث بين الجيوش الإرهابية والديموقراطيات»! وأضاف «إنها الأولى منذ المحرقة يكون فيها اليهود هدفاً من منظمة دولية تعمل لتحرير كل الأراضي الإسلامية بما فيها إسرائيل»؟
وهنا، نأخذ استراحة قصيرة عن الفولكلور البلدي الذي يشبه السيرك في بعض لوحاته، لنسأل أنفسنا والذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسبب سلاح «حزب الله»: هل لا تزال المقاومة في نظر الذين شنوا حرباً داخلية عليها كادت أن تشعل فتنة، هل لا تزال مجرد ميليشيا مسلحة، خارجة عن القانون، يشكّل سلاحها خطراً على لبنان، يقض مضجع فريق فيه لا يرى في إسرائيل عدواً بل مجرد «جار» طبيعي؟ أم أن هذا الفريق قد أدرك أن المقاومة باتت، بشهادة وزير الدفاع الأميركي، واحدة من القوى الرادعة في العالم، ويوازي ما لديها من سلاح متطور وجهوزية بشرية وتقنية ولوجستية، ما تملكه «غالبية حكومات العالم»؟
وهل لا يزال لبنان في نظر البعض دولة ضعيفة ترهبها ألسنة القادة الإسرائيليين والأميركيين، أم هو أصبح، بفضل مقاومته، قوة ردع يُعتد بها، ويُحسب لها ألف حساب في تل أبيب كما في قيادة البنتاغون؟
وهل أخطأ الرئيس ميشال سليمان بقوله إن أي اعتداء إسرائيلي على لبنان، لن يكون نزهة؟!
لقد أظهرت ملهاة الانتخابات البلدية أنه لم تكن هناك حاجة إلى إجرائها في ظل التشويه الذي تتعرض له الديموقراطية والذي يشكل خطراً على مسيرة التغيير والإنماء والإصلاح، لأنه يعمّق التخلّف، ويزيد حدة العصبيات الطائفية والمذهبية، بعد إحلاله الرابطة العائلية مكان الالتزام الحزبي. ولقد كانت هذه الرابطة العامل الذي واجه تاريخياً التطور الديموقراطي في اتجاه الأحزاب التغييرية بمنعها أبناء «الذوات» وبناتهم من الانتساب إليها، وجعل الإقطاعات المتحجرة والمتزمتة سجوناً و«مقابر للأحزاب». وهذا ما دأبت على المفاخرة به ويا للأسف!
وإذا كان من «حسنات» للملهاة البلدية، فإنها غيّبت أصوات بعض الذين كان همّهم صبح مساء التصويب على المقاومة وسلاحها، والمطالبة بانتزاعه منها، بأي طريقة، مما كان يرسل إشارات خاطئة إلى العدو بأن اللبنانيين منقسمون حياله وليس فقط حيال سلاح «حزب الله»، وأن ثمة من لا يعتبر إسرائيل عدواً محللة مقاتلته على ما قال الإمام موسى الصدر مع انطلاق أفواج المقاومة اللبنانية.
إلا أن هذه الملهاة يجب ألا تصرف الرأي العام اللبناني عن التهديدات الإسرائيلية التي أخذها المسؤولون الكبار على محمل الجد، وكذلك فعل قادة معظم الدول الصديقة للبنان. وأن الكلام الأميركي خصوصاً عن المرتبة التي باتت تحتلها المقاومة بين قوى المواجهة في العالم، يجب ألا يخيف أحداً، بل ينبغي أن يرفع المعنويات، استناداً إلى المثال الذي يقول «إذا أردت السلم فاستعد للحرب». وهذا ينطبق على وضع المقاومة في لبنان.
وعلى المسؤولين الكبار في الدولة، سياسيين وعسكريين، أن يردوا، باسم جميع اللبنانيين، على التهديدات الإسرائيلية والأميركية بأن السلاح الذي يتحدثون عنه ويقولون إنه أصبح في يد المقاومة، هو سلاح دفاعي، وأن لبنان لا يفكّر أبداً في مهاجمة إسرائيل، وفي حال تعرضه لأي اعتداء فإنه سيقاوم من خلال منظومة دفاعية يشارك فيها «الجيش والمقاومة الشعب» على ما ورد في البيان الوزاري لحكومة الوفاق الوطني. وهكذا سيكون تضامن اللبنانيين في مواجهة أي عدوان محتمل، عامل الردع الأقوى لهذا العدوان.
وللرد على بعض المشكّكين في «لبنانية المقاومة»، يروي أحد الذين التقوا العماد ميشال عون بعد توقيع مذكرة التفاهم مع «حزب الله» في 6 شباط 2006، أنهم طرحوا عليه السؤال الآتي: ما هو أهم إنجاز حققه هذا التفاهم مع المقاومة المتهمة بأنها تنفذ في لبنان أوامر ولي الفقيه الإيراني السيد علي خامنئي، في السلم كما في الحرب؟ فأجاب: «إن أهم إنجاز تحقق هو أن المقاومة وسلاح «حزب الله» هما للدفاع عن لبنان حصراً، وأن حدود المعركة هي الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018