ارشيف من :أخبار لبنانية
هل تجرؤ إسرائيل أصلاً على مهاجمة لبنان؟
إبراهيم الأمين - "الأخبار"
ماذا جاء أحمد أبو الغيظ يفعل في بيروت؟ ولماذا اشتداد الحملة الأميركية ـــــ الإسرائيلية على لبنان وسوريا من باب تزويد المقاومة بأسلحة صاروخية متطوّرة؟ ولمَ هناك اهتمام استثنائي بحركة فرنسية وإيطالية في صدد تخفيف التوتر؟ وما هو سر الحركة اللافتة للرئيس سعد الحريري في هذا المجال؟
أسئلة كثيرة بقيت حتى الآن من دون جواب. المعلومات الرسمية الموزّعة بطريقة علنية أو من خلال تسريبات لا توفّر المطلوب من الشرح والتوضيح. ومنسوب القلق الإسرائيلي قابل للفهم جرّاء المخاطر الإضافية على مشروعها التوسّعي في المنطقة.
بدايةً، ثمة حاجة إلى تذكير الجميع، عندنا ومن حولنا ولمن يرغب، بما سبق أن قاله الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في 16 شباط الماضي، حين أكد أنّ بمقدور حزب الله توجيه ضربات قاسية إلى كل البنى التحتية والعسكرية الإسرائيلية إذا تعرّض لبنان لاعتداءات إسرائيلية. وحدّد بشيء من الدقة، أنّ السلاح الموجود لدى الحزب يمكنه تدمير أبنية، وإصابة مراكز محددة في قطاعات مختلفة. وعدد غير قليل من الأهداف. وكل ذلك يعني ببساطة الآتي:
ــ لم يقل نصر الله هذا الكلام إلا عندما باتت المقاومة جاهزة لترجمته حقيقة عندما تقتضي الحاجة.
ــ لم يسبق أن هدّد نصر الله بشيء لا يملك حقيقته بين يديه، وخصوصاً أنه الناطق الوحيد للمقاومة. وله رصيد في الصدقية قام أساساً على ارتباط كلامه بقدرة عملانية على تحقيقه.
ــ قال نصر الله ما يحسم كل جدل بشأن قدرات الحزب الصاروخية، وإن لم يقل كل ما يمكنه قوله على هذا الصعيد. على قاعدة أنه ليس مضطراً إلى هذا الآن. وبالتالي فإن ما تعدّه إسرائيل سؤالاً أو معلومات موثّقة، لكنها تحتاج إلى تأكيد، قد ذهب نصر الله إلى التصديق على وجوده.
يومها، حُسم أمر الهجوم الذي كانت إسرائيل تفكر في شنّه في شباط الماضي. وتطوّر الموقف إلى حد إعلان واضح من سوريا وإيران وحزب الله بأنّ أيّ تحرّش إسرائيلي سيواجه بحرب شاملة. آنذاك، ما فعلته إسرائيل هو لمّ ذيلها على طريقة أزعر الحي الذي يتراجع صارخاً: دعوني أضربه!
بعدها هدأت إسرائيل قليلاً، وصار حديثها يقتصر على تأكيد أنها ليست في صدد مهاجمة سوريا أو لبنان. واكتفت بالتحذير من حصول حزب الله على سلاح كاسر للتوازن. وبينما كان إعلاميّوها وعسكريّوها يشرحون لنا سابقاً أنّ المقصود من هذا السلاح هو «الأنظمة الدفاعية للطائرات»، حصل أن تعدّلت الصورة، وصار الحديث عن الصواريخ المتطورة على أنه جزء من السلاح الكاسر للتوازن. وفجأةً انتقل الجميع دفعة واحدة إلى الحديث عن «السكود». وبمعزل عن هويّة من تولّى التسريب فإن التعليقات التي تلت نشر «الرأي» الكويتية التقرير الإسرائيلي ـــــ الأميركي، تركّزت على مبدأ التهويل دون التزام أيّ خطوات عملية، وتولّى الأميركيون جانباً من المعركة الإعلامية والدبلوماسية، وأجروا اتصالات متنوّعة هدفت إلى طمأنة إسرائيل إلى أنّ الملف بات ممسوكاً، وأنّ الرسالة المطلوب إيصالها إلى سوريا ولبنان صارت على مكتب المعنيّين.
في جانب الفريق الحليف للولايات المتحدة بين العرب والعواصم الغربية، من خرج ليؤدّي دوراً شبيهاً بالدور الذي أدّوه في سنوات سابقة. تولى ملك الأردن التحذير من حرب وشيكة على الجبهة اللبنانية. تبعه المصريون بالإشارة إلى أنّ هناك نيّات عدوانية لإسرائيل. لكنّ أحمد أبو الغيظ الذي زلّ لسانه ووصف إسرائيل بالعدو في بيروت، سارع إلى تصحيح موقفه من خلال رسالته إلى نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون، التي ضمّنها «إظهار خشية في لبنان من تكرار ما حصل في تموز 2006». لم يشرح الوزير المصري مقصده، لأنه في حقيقة الأمر، أراد القول إنه أدّى المهمّة المطلوبة منه في بيروت. فهو قال كلاماً عالياً عن عدم ترك لبنان يتعرّض للعدوان وخلافه، لكنه اختصر مهمته لمن يهمه الأمر في بيروت بالقول: «نحن سنعمل على منع إسرائيل من العدوان، لكن رجاءً امنعوا حزب الله من منحها الذريعة!».
الأمر بسيط لمن يريد أن يفهم حقيقة ما يحصل، وهو أنّ الإسرائيليّين لا يعرفون ماذا يفعلون. يبدو أنهم على اقتناع بأنّ حزب الله حصل فعلاً على صواريخ سكود، لكن المشكلة التي تواجهها إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها، هي أنها غير قادرة على المبادرة، ولا على عمل وقائي ولا على عمل عقابي. بل هي اكتفت بضم اليدين إلى الصدر وقلب الشفة السفلى، والتوجّه صوب الأميركي: رجاءً تحرّكوا، ساعدونا على مواجهة الأمر.
الآن ثمة إشارات إلى توتر كبير جداً على الحدود الجنوبية، وإسرائيل تتحدث عن تحريض لسوريا تمارسه إيران وحزب الله على خلفية أنّ الحرب قادمة. ويقابل الإسرائيليون هذا التقدير بتكرار الحديث عن عدم نيّتهم التصعيد، فيما هم لا يملكون جواباً عما إذا كان حزب الله في صدد القيام بشيء قد يجرّهم إلى حرب ليسوا في وضعية الاستعداد لخوضها.
هل تقدر إسرائيل على شن حرب ضد سوريا أو حزب الله الآن؟
هذا هو السؤال الحقيقي، لا التلهي بالحديث عن نيّات، وعن المبالغة في التهويل الإسرائيلي. وكأنّ العالم يهتمّ بهذا النوع من الإعلام البائس، فيما إسرائيل تقترب من لحظة أن تشاهد صواريخ طويلة المدى تعبر الحدود إلى لبنان، لكنها تعلن أنها مجرد أنابيب للمجارير!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018