ارشيف من :أخبار لبنانية

الحوار بين القاهرة وحزب الله يستعد للخروج من سجنه!

الحوار بين القاهرة وحزب الله يستعد للخروج من سجنه!

عماد مرمل، السفير
 

أغلب الظن أن الأحكام التي أصدرتها محكمة أمن الدولة العليا المصرية - طوارئ في حق أعضاء ما بات يُعرف بـ«خلية حزب الله»، لن تقفل ملف هذه القضية بل لعلها ستفتحه على مصراعيه، لكن من زوايا جديدة، وبعيدا عن الأضواء والضجيج.

ولئن كانت الاحكام توحي في ظاهرها بأن العلاقة بين مصر و«حزب الله» تسير نحو مزيد من التأزم والتعقيد، إلا أن المتوقع هو أنها ستقود عاجلا أم آجلا الى بدء حوار غير مرئي، باعتبار أن ما صدر عن القضاء المصري يشكل في واقع الأمر «طرف الخيط» الذي سينطلق منه الجانبان، برعاية الوسطاء، لفتح باب الكلام.

وإذا كانت الاولوية ستعطى في أي حوار من هذا القبيل للبحث في إمكان إيجاد «ممر سياسي» يعبر منه المعتقلون الى الحرية، إلا أن ذلك لا يلغي احتمال أن يتوسع جدول الأعمال على الطريق في اتجاهات أخرى. وترجح بعض المعطيات ان يكون لمدير المخابرات المصرية العامة اللواء عمر سليمان والقيادي في «حزب الله» الحاج وفيق صفا دور في هذا الحوار مستقبلا، علما بأن رئيس الحكومة سعد الحريري لعب دوراً على صعيد ترتيب هذا الملف وصولا الى النقطة التي بلغها في الآونة الأخيرة ولم تأت مغايرة لما كان يعرفه الحزب.

صحيح أن الأحكام بحق الموقوفين جاءت قاسية الى الحد الذي صدم البعض ممن افترض أن شيئا ما كان يُعد خلف الكواليس السياسية والقضائية لتخفيف العقوبة، ولكن المتابعين بدقة لهذا الملف لم يفاجأوا على الإطلاق بما صدر عن المحكمة المصرية، بل ان أحد وكلاء الدفاع كان قد توقع أمام قياديين في «حزب الله»، قبل فترة، أن الحكم على محمد شهاب سيقارب الـ15سنة، «وإذا تفاءلنا فهو بالتأكيد لن يقل عن 10سنوات».

وفي المعلومات، أن محامي الدفاع محمد سليم العوا كان من بين الذي فوجئوا نسبيا بقسوة الأحكام، علما بأن دوره في هذه القضية لم يقتصر على المرافعة القانونية، بل هو أدى دور الوسيط مع النظام المصري في العديد من الأحيان، والمعروف ان العوا كان جزءا من نسيج القضاء المصري انطلاقا من كونه مدعيا عاما سابقا، الى جانب أنه صديق للسيد حسن نصر الله والشيخ يوسف القرضاوي من دون أن يكون معاديا للنظام وإن يكن يختلف معه. ولكن الوساطة التي تمت في مرحلة المحاكمة لم تُجد نفعا، لأنها كانت تحتاج الى نقطة بداية، الامر الذي يبدو أنه أصبح متوافرا الآن بعد صدور الأحكام.

وبمعزل عن الاجتهادات التي سبقت قرار المحكمة المصرية وتلته، هناك في بيروت من أدرك منذ اللحظة الاولى لاعتقال المجموعة المتهمة، أن المحاكمة ستكون شكلية ورمزية لتظهير حُكم صادر سلفا، وهذا ما تأكد بعد صدوره، برغم محاولات الإيحاء بأنه جرى احترام حقوق المتهمين في الدفاع عن أنفسهم.

وعليه، لم يكن منتظرا أن تنجح مطالعات فريق الدفاع في تغيير حرف واحد مما كان قد كُتب قبل المباشرة في المحاكمة، بمعزل عن مضمون تلك المطالعات والى أي مدى هي مقنعة أم لا، علما بأن «الاستراتيجية الدفاعية» التي استخدمها وكلاء المتهمين أدت فعليا الى تفريغ الاتهامات التي ساقها الادعاء المصري ضدهم من محتواها «الإرهابي».

ويجزم أحد الذين واكبوا هذه القضية من داخلها بأنه لو لم يكن سامي شهاب ورفاقه ينتمون الى المقاومة لحصلوا على البراءة أو على أحكام مخففة، لافتا الانتباه الى أن القضية هي في طبيعة تكوينها سياسية وليست جنائية وبالتالي فإن الأحكام الصادرة اتخذت تلقائيا الطابع السياسي لا القضائي.
وبهذا المعنى، بدا من سياق المحاكمة والسقف العالي الذي وُضع لها، أن هناك قرارا مسبقا بجعل الامور تصل الى حيث وصلت. وحسب العارفين، فإن هناك سببين على الاقل يفسران الخلاصة التي انتهت اليها المحاكمة:

- الاول، ان القاهرة ذهبت بعيدا في الحملة على «حزب الله» وتورطت باكرا في توجيه اتهامات من العيار الثقيل الى أعضائه المعتقلين، وضعتهم في خانة السعي الى ضرب الاستقرار في مصر وإشاعة الفوضى ومهاجمة قناة السويس ونشر المذهب الشيعي. وعليه لم يكن ممكنا أو ملائما أن تتراجع القاهرة عن «أقوالها» بهذه البساطة أو السهولة، عدا أن الأحكام الصادرة تمنحها ورقة قوية، سواء للحوار أو للمواجهة مع «حزب الله» لاحقا.

- الثاني، ان مصر لن تهدي حرية المعتقلين الى فريق الدفاع، عبر حكم قضائي يبرّئهم وينهي الموضوع عند هذا الحد، وهي إذا أرادت أن تفعل شيئا من هذا القبيل، فإنه من الأفضل لها في الحسابات السياسية أن «تبيع» هذه الورقة الى السيد حسن نصر الله من خلال عفو رئاسي يصدر عن الرئيس حسني مبارك، في سياق سلة تضم أمورا أخرى، وبعدما تكون القيادة المصرية قد حصلت على المقابل المناسب.

وعلى كل، لم تتأخر الاشارات الاولى التي تدل على أن قرار القضاء المصري سيكون توطئة لمرحلة جديدة، وهذا ما عكسه رد الفعل الأولي للأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله الذي برغم تأكيده أن الأحكام كانت ظالمة، إلا أنه لفت الانتباه الى أن الأبواب مع مصر ليست مقفلة ونحن لن نترك هؤلاء الإخوة في السجون، مرجحا أن المخارج الوحيدة المتاحة الآن بعدما أصبح الموضوع خارج القضاء هي المخارج السياسية. وتقاطع كلام السيد نصر الله مع موقف الرئيس الحريري الذي أشار الى انه سيتم العمل على حل هذه المسألة بهدوء، ما يعني أن الأفق ليس مسدودا وان اشتداد الازمة هو من علامات انفراجها.

ويقول العارفون إن المطلوب في المرحلة المقبلة مراقبة مسار العلاقة السورية - المصرية، بالنظر الى تأثيرها على ما يمكن ان يؤول اليه ملف خلية «حزب الله»، لافتين الانتباه الى ان تطور هذه العلاقة في اتجاه التفاهم من شأنه أن يساعد كثيرا في إيجاد إخراج سياسي لقضية معتقلي «حزب الله» في السجون المصرية.

وحتى ذلك الحين، يحافظ سامي شهاب على تماسكه، وهو كان يطلب من محاميه النائب إميل رحمة ان ينقل الى السيد حسن نصر الله أنه على استعداد لأن يذهب الى الإعدام فـ«لا يرف لك جفن يا سيد، ولا تتنازل». ويروي بحرارة ذاك المنام الذي شاهده في سجنه واطمئن من خلاله الى ان «السيد محمي وفي أمان».


2010-04-30