ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري ـ دمشق: قلب الأولويّات مدخـل علاقات جديدة

الحريري ـ دمشق: قلب الأولويّات مدخـل علاقات جديدة

نقولا ناصيف
بطء تقدّم علاقة الرئيس سعد الحريري بدمشق لا يُقلق المحيطين به، المشجعين من بينهم على تعزيزها. تحتاج لديهم إلى بعض الوقت، وإلى تفهّم متبادل لوجهة نظر كل منهما حيال الآخر والمستقبل، وتقويمه المرحلة السابقة


يعرف المحيطون برئيس الحكومة سعد الحريري أنّه ليس من السهل بناء علاقة وطيدة بالنظام السوري، وخصوصاً بالنسبة إلى أولئك الذين لم يخبروا العلاقة معه قبلاً، ولا جمعتهم بطبقته السياسية صلة، ولا تمرّسوا في سبر غور عقله وسلوكه عندما يكون محرجاً ومحاصراً وعندما يكون في سطوة قوته، وكذلك عندما يكون في مرحلة الانتقال من الضعف إلى استعادة القوة. يدركون أيضاً أن التعويل على العلاقة الشخصية مهم عندما تكون مع رأس النظام، الرئيس السوري. لكنها صفحة تُطوى في ما بعد متى بدأ الخوض في السياسة والمصالح الاستراتيجية والأمن والسياسة الخارجية وصراع المحاور. لا تعود تنفع عندئذ إلا للشفاعة بغية الخروج من مأزق أو أزمة أو خلاف مع النظام. تصبح الكلمة الفصل لدى الرئيس السوري.

الذين خبروا العلاقة الوطيدة، وعلاقة التحالف مع دمشق في حقبة الرئيس حافظ الأسد، وعوا مغزى تلك الشفاعة، بعدما لمسوا أهمية توزّع الأدوار داخل النظام بين المسؤولين السوريين الذين كلفوا إدارة الملف اللبناني، المتصلّب منهم والمتراخي، إلى أن تصبح الكلمة عند الرئيس. مع الرئيس بشّار الأسد لا يزال الملف اللبناني ملفاً، لكنه بين يديه وحده، ويمسك بسرَّي التصلّب والشفاعة.

في أكثر من مناسبة، علّق الحريري على علاقته الشخصية الجديدة بالأسد أهمية قصوى، وقرن تطويرها بمكالمات هاتفية دورية به، وأوجد قناة اتصال غير مباشرة معه عبر معاونين له وللرئيس السوري. قلل أيضاً أهمية ما يتردّد عن بطء في تقدّم العلاقة التي ورثت وزراً ثقيلاً من السنوات الخمس الأخيرة والأخطاء التي شابت علاقات البلدين. وهو في الزيارة الثانية المرتقبة لدمشق، المؤجلة إلى ما بعد النصف الثاني من أيار على الأقل، يبدأ جدياً علاقة سياسية تأخذ في الاعتبار الحوار بين سلطات الدولتين للتوصّل إلى علاقات مميّزة متكافئة تراعي مصالح البلدين، ولا تجعل الحريري يتخلى عن كل الشعارات التي رافقت المرحلة الذهبية لدى قوى 14 آذار، وهي الاستقلال والسيادة والاحترام المتبادل والتعاون المتكافئ وعدم التدخّل في شؤون الآخر.

ورغم معرفة المحيطين به بمشقة الانتقال من التعاون مع دمشق إلى التحالف معها، لا يسع رئيس الحكومة أن يصبح حليفاً على طريقة رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، ولا تقديم هذا الكمّ من التنازلات كي يستعيد علاقة طويلة من التحالف جمع على امتداد 27 عاماً بين سوريا والزعيم الدرزي اختلط الأمن فيها بالسياسة. ولا يستطيع كذلك الاعتقاد بأن الانضمام إلى الخيار السوري بكل الشروط التي يتطلبها هو السبيل الوحيد إلى علاقة وثيقة بالنظام السوري.

واقع الأمر، أن الحريري مذ تلقف المصالحة السعودية ـــــ السورية، وانضم إليها بإرادة الرياض لطيّ صفحة السنوات الخمس المنصرمة، رَسَمَ إطار العلاقة الجديدة ـــــ بل الأولى ـــــ التي يريد أن تجمعه بسوريا والأسد تحديداً، من غير أن يغالي في إبداء مواقف تسترضي دمشق:
1 ـــــ كان قد سمع في العاصمة السورية، ثم في بيروت، أن أي علاقة بين سوريا وفريق لبناني كان على عداء معها في السنوات الماضية لن تكون على حساب علاقتها بحزب الله، وأن لا مكان لأي تسوية في لبنان والمنطقة على حساب الحزب. تالياً فإن الموقف من حزب الله وسلاح المقاومة شرط أساسي للقول بعلاقات مميّزة مع سوريا، وهو يوازي أهمية نظرة الأخيرة إلى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. تبلّغ جنبلاط قبل الحريري هذا الموقف الذي يعني أولاً وأخيراً أن علاقة أي منهما بسوريا لن تكون بديلاً من علاقتها بالحزب، ولن تؤدي إلى ممارسة أي ضغط عليه، وهو يتحمّل عبء مواجهة إسرائيل، وأن على كل ساعٍ إلى دمشق الدخول في عداد حماية المقاومة.

تبعاً لذلك تخلّى الحريري عن الطريقة التي كان قد قارب بها، حتى غداة الانتخابات النيابية الأخيرة، سلاح حزب الله، إذ كان يعدّه تهديداً للدولة اللبنانية وسيادتها على أراضيها واستدراجاً لعدوان إسرائيلي، قائلاً أولاً بسحبه من التداول، ثم توجيه الاهتمام إلى مناقشته على طاولة الحوار الوطني، انتهاءً بتشريعه في البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية في جزء لا يتجزأ من الجيش والشعب في مواجهة إسرائيل، ومن الوسائل المتاحة لتحرير ما بقي من الأراضي اللبنانية المحتلة. مصدر هذا الانتقال أن الخلاف في الرؤية والاستراتيجيا مع حزب الله ينبغي أن لا يكون عثرة في طريق تحقيق الأهداف المشتركة التي حدّدها البيان الوزاري لحكومته، وفي مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. بعدما تعذّر إقناع حزب الله بإدماج سلاحه بالجيش، اختار دعم هذا السلاح وتأكيد شرعيته والتمسّك بحماية المقاومة من ضمن تمسّكه، في الوقت نفسه، بالقرار 1701. لم يعد يأتي على ذكر القرار 1559، ولا على توجيه طاولة الحوار الوطني إلى المطالبة بنزع سلاح حزب الله، بل الخوض في استراتيجية دفاعية لحماية لبنان. وبعدما كان سلاح حزب الله حتى عشية 7 أيار 2008 أحد عناصر الفوضى وذريعة محتملة لفتنة سنّية ـــــ شيعية، أضحى في الغداة وصولاً إلى زيارة دمشق واحداً من عناصر الاستقرار والوحدة الوطنية.

كانت المواقف الأخيرة للحريري من أزمة صواريخ سكود ودحضه المزاعم الإسرائيلية، وتحرّكه الخارجي الموازي، ذروة موقفه المزدوج: الحصول على طمأنات دولية بمنع أي عدوان إسرائيلي على لبنان وسوريا، وإدانة توجيه أي اتهام إلى حزب الله بامتلاك تلك الصواريخ أو إلى سوريا بتهريبها إليه، وتأكيد حق المقاومة في الدفاع عن لبنان.

2 ـــــ مذ قرّر فتح صفحة جديدة مع سوريا، قبل زيارتها، عزم على أن لا يتخذ مواقف تلحق أضراراً بها أو تضعها في دائرة الشبهات. لم يخلُ ذلك من عثرات كان يستدركها فوراً. ومن غير أن يتخلى عنها كمطالب أساسية في سبيل علاقات مميّزة متوازنة، أنزل الحريري ثلاثة ملفات جوهرية من مرتبة الأولويات في الحوار مع دمشق إلى أخرى دنيا، لكنه أبقاها ملفات مفتوحة. لم يعد ترسيم الحدود ولا كشف مصير المفقودين في السجون السورية ولا المعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات، مدخل علاقات جديدة بسوريا على نحو ما أكثَرَ في التصريح عنه منذ عام 2006 حتى عشية مصالحته مع الأسد. لم يعد يطرح الملفات تلك على أنها مادة خلاف أساسي بين لبنان وسوريا على نحو ما ساد في حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة بين عامي 2005 و2008.

كانت الدلالة الأبرز أن الحريري ـــــ خلافاً لما كان يقوله في عزّ حقبة قوى 14 آذار ـــــ لم يعد يرى في المعسكرات الفلسطينية أداة في يد الاستخبارات السورية تحرّكها هذه لتقويض استقرار لبنان، ولا أحد عناصر الإرهاب الذي اتهمت دمشق بدعمه شأن اتهامها بالوقوف وراء تنظيم فتح الإسلام. أصبح الموقف من المعسكرات يقتصر عليها في ذاتها، وعلى اتخاذ ردود فعل متشدّدة من الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـــــ القيادة العامة أحمد جبريل، كتحذير رئيس الحكومة إياه في 26 نيسان من تحريك سلاحه لأن الجيش سيكون له بالمرصاد.

أذِنَ قلب الأولويات ببدء حوار جدّي مع سوريا بلا أحكام مسبقة، وإن لم يُحرز حتى الآن، في أي من الملفات الثلاثة هذه، أي تقدّم. ورغم الإجماع اللبناني على حلول فورية لتلك الملفات، تبنّى الحريري وجهة نظر سوريا منها: ترسيم الحدود من الشمال حتى الجنوب من دون أي دور للأمم المتحدة أو لفرق المراقبة الدولية ولا لنشر قوات تراقب الأراضي السورية لكون الشأن ثنائياً بين البلدين، مصير المفقودين شبه مقفل، تسوية المعسكرات الفلسطينية بحلّ سياسي لا مكان فيه للقوة، بل للحوار.

3 ـــــ إلى الموقف من المحكمة الدولية في اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، إذ أخرج الحريري الابن سوريا، بعد طول إصرار، من الاتهامات التي كان قد ساقها وحلفاءه إليها باغتيال الرئيس الراحل، وانتظار أحكامها، قارب بإيجابية التعاطي مع الاتفاقات اللبنانية ـــــ السورية. طلب أولاً من الوزراء مراجعة الاتفاقات بإيجابية مماثلة، قائلاً إنه يريد تطويرها، من دون توجيه الانتباه إلى فضح سلبيات يمكن أن تتضمّنها على طريقة ما كان يقوله أركان قوى 14 آذار بين عامي 2005 و2008 بأنها غير منصفة ووضعت في حقبة الوصاية تحت وطأة الفرض وإخلال توازن قوى، ونادوا بإلغائها. لم تكن هذه مهمة وفد المديرين العامين والمستشارين في دمشق قبل أسبوعين، ولم يُعهد إلى رئيسها الوزير جان أوغاسبيان حمل ملفات ترسيم الحدود ومصير المفقودين والمعسكرات الفلسطينية، ولا البحث في المعاهدة الثنائية والمجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني.

عدّ رئيس الحكومة الموقف الإيجابي من الاتفاقات مدخلاً جديداً إلى علاقات لبنانية ـــــ سورية مميّزة لا تكتفي بطيّ صفحة الماضي، بل تؤكد التمسّك بإطار هذه العلاقات بإبقاء المعاهدة والمجلس الأعلى وتطوير الاتفاقات، عوض النظر إليها على أنها عقبة في طريق علاقات متوازنة بين البلدين.

2010-04-30