ارشيف من :أخبار لبنانية
التسـلل الأميركـي المتمـادي وجـه آخـر لـ"حـرب تمـوز"
نبيل هيثم، السفير
أن تسارع الدولة اللبنانية إلى حزم أمرها والتصرّف كدولة محترمة ذات سيادة وتلجم تفلت السفارة الأميركية من أي عقال دبلوماسي وأخلاقي، فذلك أقل واجباتها، ولكن قد لا يكون مفيداً الاكتفاء بإلزام السفارة احترام الأصول والقوانين، بقدر البحث عن حجم الاختراقات الأميركية لبنى الدولة كلها والمجتمع الأهلي ومن يسهّل للأميركيين وغيرهم مثل هذه الاستباحة وبحرية تفوق حرية اللبنانيين أنفسهم في بلدهم.
واذا كان العنوان التدريبي على «مكافحة المخدرات»، قد أخفى في طياته اتفاقية أمنية بملاحق سرية مهينة لكرامة الدولة اللبنانية ولكل مواطن لبناني، فإن «مداهمة الحدود» بعنوان «خيري» (المساعدات) ومن باب الجمارك، مع ما تعنيه نقطة المصنع من رمزية لبنانية وسورية، في ذروة تهديدات للبنان وسوريا ربطاً برواية «السكود» الاميركية ـ الاسرائيلية المفبركة، فان ملابسات هذه القضية وردود بعض الوزارات وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية، يشي بعبارة واحدة: لا دولة في لبنان... وفي المقابل، فإن الأميركيين يستطيعون رسم مسار والوصول الى اهدافهم في ظل الانكشاف الحاصل سياسياً واقتصادياً وأمنياً وادارياً واجتماعياً... وأخلاقياً.
وإذا كان بعض حلفاء اميركا قد سارع الى رفد «مداهمة المصنع» بواجب الدفاع عنها وتبريرها وادراجها في سياق الخدمات الجليلة التي تقدمها واشنطن للبنان، والأخذ على منتقديها «مقابلة الجميل الاميركي بنكرانه»، وكلام سمير جعجع كان شديد الوضوح لهذه الناحية بالاضافة الى التصريح «المكتوب» لأحد نواب تيار المستقبل المغمورين تحت عنوان « شكراً اميركا»! فإن المداهمة الاميركية لا يمكن فصلها عن مجمل مسار ما بعد الرابع عشر من شباط 2005، ودائماً باتجاه التصويب على هدف واضح ومعلن هو «حزب الله».
ويقسم هؤلاء المسار المذكور الى مرحلتين، امتدت الاولى حتى حرب تموز 2006، تعاطت فيها واشنطن مع لبنان كأحد اهم ركائز المشروع الاميركي في المنطقة، وبلغ الحضور الاميركي المباشر في هذا البلد الصغير حد التعاطي معه كقاعدة اميركية جديدة ومتقدمة، وتجلت اكثر الصور فجاجة مع استقدام عناصر مكتب التحقيق الفيديرالي الأميركي («إف.بي.آي») الذين ظهروا بعد تفجير اذاعة «صوت المحبة» الدينية في جونية، كما في مسرح جريمتي اغتيال الشهيدين جورج حاوي وجبران تويني وايضا مع مسلسل الوفود العسكرية والأمنية الزائرة والشحنات البحرية والجوية المرقطة بعنوان «البريد الدبلوماسي». وتجلت بصورة اخطر خلال «حرب تموز» بمحاولة اطباق اليد نهائيا على لبنان بالرعاية الأميركية الكاملة لتلك الحرب.
واما المرحلة الثانية، فبدأت مع فشل تلك الحرب، حيث انتقل الاميركيون ومعهم الاسرائيليون الى جعل الحرب تستمر على المقاومة، انما بصورة باردة وخفية، سواء من خلال شبكات التجسس الاسرائيلية، او من خلال عمل السفارة الاميركية والاتفاقيات التي عقدتها مع المؤسسات الامنية اللبنانية ومنها الاتفاقية مع قوى الامن الداخلي، او عبر المساعدات التي سخرتها تحت عنوان اعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية واعادة تصويب عقيدتها وكذلك من خلال استهداف قدرة المقاومة على الاستقطاب الاجتماعي بعد الحرب، وذلك من خلال دعم مؤسسات اهلية في البيئة الشيعية تحديداً.
ان الحرب الأميركية الاسرائيلية المستمرة، اتكأت وتتكئ على الانقسام السياسي اللبناني، الذي سمح ويسمح للاميركيين بالاستفادة من وجود معابر سياسية متناغمة معهم داخل بعض المكونات اللبنانية، بما يسمح لهم بالتغلغل الى عمق التربة اللبنانية الخصبة، تحت عناوين وواجهات متعددة يصبح من الصعب جدا ان لم يكن من المستحيل الحد منها او مكافحتها.
من هنا لم يعد السؤال «كيف يتم الخرق»، فالأخطر هو ان واشنطن التي تستفيد اصلاً من الانقسام اللبناني، «تراهن على توسيعه، أكثر فأكثر، إفساحاً في المجال أمام المزيد من الخرق الاميركي للبنان»، كما يردد أحد قادة المعارضة اللبنانية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018