ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا بعد خلية حزب الله؟

ماذا بعد خلية حزب الله؟

رفعت سيد احمد، السفير

الآن وبعد أن أسدل الستار القانوني عن القضية التي عرفت باسم خلية حزب الله في مصر، وانتقلت من المربع القضائي إلى المربع السياسي، دعونا نتأمل في دلالاتها، والمآل الذي ستصل إليه خاصة ما يتعلق فيها بالعلاقة المستقبلية بين حزب الله والنظام المصري.

أولى الملاحظات: في ظني أن هذه القضية أخذت اهتماماً إعلامياً أكبر من حجمها، خاصة أن المتهـمين الـ(26) لم ينفذوا أي مخطط مما قيل إنهم كانوا يعــتزمون تنــفيذه لدعم المقاومة الفلسطينية أو لضرب أهداف اسرائيــلية (سياح ـ سفن ـ ... الخ)، لقد ظلت الأهـداف حبيــسة القلوب، وتم إلقاء القبض على المتهــمين في نوفمبر 2009 وهم لا يزالون ـ كما قالت أوراق القضـية ـ في طور الإعداد، ورغم ذلك وجد البعض من إعلاميي النظــام وسياسييه الذين يصمهم الجمهور عادة بالمنافقين لكل عصــر(!) الفرصة ليحولوا قضية غير كاملة الإعداد إلى جريمة كاملة الأركان، وإلى مناحة للدفاع عن وهم اخترعوه اسمه (الأمن القومي المصري)، ذلك الأمن الذي لم يحرك ساكناً لديهم عندما هدّدته عشرات الإهانات والاختراقات الاسرائيلية والأميركية، في السنوات الثلاثين الماضية (عهد مبارك) والتي وصلت إلى حد قتل المصريين على الحدود، وإلى حد التجسس العلني على قدرات مصر النووية والعســكرية! لم يتألم طابور المنافقين من الإعلاميين والســاسة بدرجــة الألم نفسه الذي ادعوه مع قضية خلية حزب الله، الأمر الذي يقطع بأن نواحهم لم يكن إلا لمصلحة إسرائيل علموا ذلك أم لم يعلموا!

ولنعد إلى الصحف لنرصد ونتابع ونندهش على (إعلاميي الصدفة) هؤلاء الذين انفعلوا وتمادوا في انفعالاتهم تجاه فعل نبيل لدعم شعب محاصر ومقاومة محاصرة كالمقاومة الفلسطينية حتى ولو كان هذا الفعل قد أخطأ (الوسيلة)، ولكنه حتما لم يكن في نذالة وحقارة وإجرام الانتهاكات الاسرائيلية لأمننا القومي شبه اليومية في هذا العهد وتحت ظلال كامب ديفيد السيئة الصيت. وكان من الممكن وبسهولة علاجه بالطرق السياسية بدلاً من تلك المعالجات المنفلتة والمسيئة لمصر ودورها العروبي المفترض.

ثاني الملاحظات: لقد فند محامو المتهمين وفي طليعتهم الفقيه القانوني د. محمد سليم العوا، الذي نؤكد جازمين أن مرافعته عن المتهمين تكتب بماء الذهب (والتي فاقت صفحاتها الـ60 صفحة)، قد فندوا ادعاءات الأمن والنيابة، ولو كان الأمر أمر قانون لحكم فوراً ليس ببراءة جميع المتهمين بل وبمنحهم أوسمة، لدعم المقاومة والشعب الفلسطيني، بعد أن تآمر الجميع عليه، ولا داعي للتحجج بفقرات مجتزأة من اعترافات تحت الإكراه والتعذيب عن فعل لم يتمّ! ولكن، لأن الأمر لم يكن أمر قانون وكان من ألفه إلى يائه أمر سياسة (وسياسة خايبة ولا مؤاخذة!)، لذلك حكم على هؤلاء المناضلين الشرفاء بهذه الأحكام القاسية والتي كانت في مجملها أحكاماً سياسية بامتياز.

ثالثاً: ولأن الأمر كان، وأصبح أمر سياسة، فأحسب أن من مصلحة مصر (الرسمية والشعبية) وبعد أن تحوّل أصدقاء النظام المصري في بيروت إلى الطريق الصحيح، وهو طريق دعم المقاومة والعلاقات الطـيبة مع حزب الله وسوريا، وبعد أن ابتعدوا عن طريـق واشنــطن وتل أبــيب لإدراكهم أنه كان طريقاً خاطئاً، بدأ باغتيال المخابرات الاسرائيلية والأميركية لرفيق الحريري، وانتهى بحرب يوليــو 2006، وأنه طريق لا يزال مستمراً لحصار حزب اللــه (أشرف وأنبل قوة مقاومة عربية وإسلامية)، بعد أن أدرك حلفاء مصر والسـعودية (وأعني هنا ســعد الحريري وجــنبلاط ومن كان معهما من فريق 14 مارس) لحقـيقة المؤامرة وخطرها على وطنهم، صار من الواجب على مصر أن تكف عن إرضاء واشنطن وتل أبيب، مجاناً، بمثل هذه القـضايا المفتعلة أو على الأقل التي تأخذ أكبر من حجمها الحقــيقي، وأن تستثمر هذه الأحكام القاسية بطريقة أخرى إيجابية تفتح من خلالها صفحة جديدة مع لبــنان كله وليس مع حزب الله وحده، وذلك بإصدار القرارات الرئاســية للعفو عن هؤلاء المتهمين الشرفاء، وفتح القنوات الدبلوماسـية الصريحة مع حزب الله وقوى المقاومة العربية (في العراق وفلسطين)، وأن يستقبل وبترحاب قادة هذه المقاومة في قصورنا الرئاسية على الأقل، مثلما نستقبل قتلة من عينة (باراك وبيريز ونتنياهو)، فقادة تلك المقاومة هم الأشرف والأكرم والأكثر دفاعاً عن أمننا القومي، إن فهمناه بمعناه الصحيح وليس بالمعنى الأميركي أو الاسرائيلي كما جرى في تلك القضية وغيرها، إن حجم التآمر الاسرائيلي على مياه النيل، وعلى سيناء بل والقاهرة (هناك 45 قضية تجسس اسرائيلي ضد مصر خلال الـ 25 سنة الماضية فقط) يكفي وحده ليدفع العقلاء في هذا النظام، لكي يعيدوا ترتيب علاقاتهم مجدداً مع الحلفاء والأصدقاء الحقيقيين، وأن يبادروا بفتح صفحة جديدة قائمة على الاحترام والفهم والصراحة بين مصر وحزب الله باعتباره أهم وأقوى قوة سياسية مقاومة في لبنان بل وفي المنطقة، خاصة بعد أن أغلق الملف القانوني المفتعل لما سُمّي بخليته في مصر، ان هذا الأمر في ظني ضرورة أمنية واستراتيجية لمصر، هذا طبعاً لو أدرك العقلاء ذلك، ولو صمت صهاينة العرب ومارينز الإعلام والسياسة قليلاً، ولم ينفخوا في نار الخلافات الصغيرة لتزداد اشتعالاً على أتفه الأسباب، ونحسب أن مصر الدور والتاريخ كانت وستظل أقرب إلى روح المقاومة منها إلى روح هؤلاء المارينز.
 
والله أعلم

2010-05-03