ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا لا يعامل الحريري «المعارضة السنية» كما عامل والده «القوات»؟ سباق محموم في بيروت بين «المعجزة»... و«العجز»
كتب عماد مرمل - السفير
أوحت النتائج التي تمخضت عنها المرحلة الاولى من الانتخابات البلدية في جبل لبنان، ان التوازن الذي أرسته الانتخابات النيابية الاخيرة على الساحة المسيحية ما زال قائما الى حد كبير، فتوزعت الخسائر والارباح على القوى السياسية، من دون ان يستطيع أي فريق الادعاء انه حقق نصرا كاسحا على مستوى الحصيلة الاجمالية للاستحقاق البلدي، وبالتالي فلا ضربات قاتلة ولا أهداف ذهبية، بل كر وفر ومد وجزر.
وإذا كان معارضو العماد ميشال عون سيتباهون بالفوز الذي حققوه في جبيل ويستخدمون حجارته في بناء عمارة من التفسيرات السياسية والشعبية التي ستصب في خانة الترويج لمقولة ان حجم جنرال الرابية يستمر في التراجع مسيحيا، فإن رد عون لن يتأخر من نافذة الحدت حيث نجح التيار الوطني الحر في توجيه ضربة موضعية موجعة الى فريق 14آذار، مؤكدا صحة رهانه على التفاف المسيحيين حول خياراته وفي طليعتها خيار التفاهم مع حزب الله، باعتبار ان الواقع الديموغرافي والجغرافي لمنطقة الحدت المحاذية للمحيط الشيعي جعل هذا التفاهم مادة للاختبار في صناديق الاقتراع.
ولئن كان يوم الاثنين هو «يوم آخر»، إلا انه من المتوقع ان تترك معمعة الانتخابات في جبل لبنان تأثيرات جانبية على ملف بيروت، تبعا للقراءة التي سيعتمدها كل طرف في مقاربة نتائج المرحلة الاولى، إذ ان فريق 14 آذار الذي يعتبر انه حقق إنجازات في أكثر من موقعة بلدية سيحاول على الارجح استثمارها في تحسين شروطه التفاوضية بشأن تركيبة المجلس البلدي للعاصمة، بينما قد يميل العماد عون نحو التمسك أكثر فأكثر بطروحاته مستندا من جهة الى انتصاراته في بعض النقاط الحساسة والى رغبته من جهة أخرى في عدم تفسير خسارته في بعض الاماكن كأنها جعلته ضعيفا في بيروت.
لكن، بمعزل عن كل هذه الحسابات، وحده الرئيس سعد الحريري يستطيع الآن ان يُجنب العاصمة معركة عبثية، سيظل خاسرا فيها ولو ربحها، لأن تداعياتها السياسية والمذهبية ستلتهم المقاعد الـ 24 التي ستحصدها لائحته بفعل الخلل الحاصل في التوازن الديموغرافي.
ولعله من المفيد في هذا المجال ان يستعيد رئيس الحكومة التجربة التي خاضها والده الرئيس رفيق الحريري عام 2004. يومها كان الرئيس الشهيد حريصا على تكوين مجلس بلدي يتسع للجميع في بيروت، وهذا ما حصل فعلا بعدما نجح في إقناع السوريين بوجهة نظره، فولدت لائحة ضمت جميع التلاوين الطائفية والسياسية ومن بينها «القوات اللبنانية» التي تمثلت آنذاك بجوزف سركيس، على الرغم من انها كانت محظورة ومنحلة.
واستنادا الى هذا «النموذج التطبيقي»، هناك في صفوف قوى 8 آذار من يطرح التساؤل الآتي: لماذا لا يطبق الرئيس سعد الحريري في تعامله مع «المعارضة السنية» القاعدة ذاتها التي طبقها والده في معرض الانفتاح على «المعارضة المسيحية» التي كانت قائمة عام 2004، علما بأنه يُفترض نظريا ان تكون القواسم المشتركة التي تجمع رئيس الحكومة اليوم بـ «المعارضة السنية» أكثر من تلك التي كانت تجمع والده بـ «القوات»؟
وفي المعلومات، ان حزب الله الذي اضطرته الاعتبارات السياسية القاهرة في السابق الى القبول باستبعاد حلفائه السنّة عن حكومة الوحدة الوطنية وعن طبخة اتفاق الدوحة الانتخابية، لن يقبل هذه المرة بإقصائهم عن المجلس البلدي للعاصمة ولن يغطي مثل هذا الأمر، وبالتالي فهو ليس بوارد ان يكون جزءا من أي ائتلاف لا يضمهم، حتى لو كان العماد عون طرفا فيه.
ويؤكد مطلعون على موقف الحزب انه سيتضامن حتى النهاية مع حلفائه السنّة ولن يفرط بحقهم في ان يتمثلوا بمقعد في المجلس البلدي، ما دام الرئيس سعد الحريري نفسه يؤكد من ناحيته أن لا شيء يمكن ان يفرقه عن حلفائه سوى الموت. أما الكيفية التي سيتم من خلالها تظهير هذا الموقف فهو أمر ما زال قيد الدرس، علما بأن السيد حسن نصر الله كان قد اشار الى ان لدى الحزب خيارات عدة في حال أخفقت المساعي للوصول الى توافق شامل.
ويبدو ان الحزب الذي يتحسس حيال المشاركة في معركة مباشرة ضد تيار المستقبل نظرا الى انعكاساتها السلبية على مستوى الشارع والعلاقة السنية ـ الشيعية المقيمة في غرفة العناية الفائقة، يبحث عن خيار آخر يوفق بين التزامه بالتضامن مع حلفائه السنة وبين رغبته في تجنيب المقاومة خطر الاشتباك الانتخابي المذهبي في شوارع بيروت، وقد ينتهي به المطاف الى إعلان الانسحاب من انتخابات العاصمة إذا وجد ان المعركة باتت حتمية.
وتعتبر اوساط بارزة في المعارضة ان الكرة باتت في ملعب الرئيس سعد الحريري المدعو الى إدراك أهمية التوافق الشامل ومن ثم امتلاك الشجاعة الكافية للخوض فيه وتسهيل ولادته في ربع الساعة الاخير قبل الاحد المقبل، لأن البديل هو دفع العاصمة الى تجرع كأس مرّة تفيض بالمشاعر المشحونة التي قد تعبر عن ذاتها بأشكال مختلفة في الشارع وصناديق الاقتراع.
وترى الاوساط ان التوافق ما زال متاحا إذا ابدى الحريري نوعا من المرونة والواقعية، ووافق على صيغة تمنح التيار الوطني الحر 3 مقاعد، والطاشناق مقعدين، وحزب الله وأمل مقعدين، والمعارضة السنية مقعدا واحدا، على ان يُراعي في اختيار المرشح السني ألا يكون فاقع اللون او مستفزا لرئيس الحكومة، بحيث يشكل نقطة تقاطع لا صدام مع الحريري، وذلك في ما يشبه استنساخ نظرية «الوزير الملك» في الحكومة الحالية والمتمثل في وزير حظي بتأييد حزب الله وحركة أمل لكنه تموضع تحت مظلة رئيس الجمهورية.
وتقول الاوساط ان هناك مرشحا سنيا تتوافر فيه هذه المواصفات، إذ انه يتمتع بدعم قوى رئيسية في المعارضة ولا يشكل عبئا على الحريري، وبالتالي يمكن ان يكون اسمه مقبولا من جميع الاتجاهات إذا صدقت النيات التي ستخضع خلال الساعات القليلة المقبلة لاختبار حاسم.
باختصار، تبدو بيروت في خضم الأمتار الاخيرة من سباق محموم بين معجزة تحقيق التوافق والعجز عن تحقيقه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018