ارشيف من :أخبار لبنانية
وقعت الحرب المقبلة، وانتـصر حزب اللّه
الحرب الإسرائيلية المقبلة على لبنان باتت لازمة لا تغيب عن وسائل الإعلام. من النادر أن يمرّ يوم، منذ عدوان عام 2006، من دون حديث عن الحرب وإمكانات وقوعها، مع تفاوت في منسوب الحديث وتأسيساته النظرية وأهدافه، بين من يرى في كل تصريح أو موقف إسرائيلي مرتبط بالمقاومة وسلاحها إشارة إلى قرب وصول «المخلص» الذي سيُكتب على يديه إنهاء وجود حزب الله في لبنان، وبين من يرى فائدة في أصل حديث الحرب ولذاته، إذ يراهن على إمكان إشغال المقاومة وحرف اهتماماتها عن ملفات أخرى في لبنان، وبين من يخلط السند بالهند والمحيطين خلطة خاطئة وشاذة، ليخلص أيضاً إلى «حتمية» وقوع الحرب.
أما لدى بعض آخر، فلحديث الحرب والتهديد بها أهداف أخرى ردعية بامتياز، أي تحقيق أجزاء من نتائج الحرب المقبلة، من دون خوضها ومن دون معارك عسكرية، كأن يرتدع حزب الله وسوريا، وإيران أيضاً، عن مراكمة القوة أو استخدامها أو البناء عليها، لتحقيق مكاسب على حساب الأعداء.
قد لا يجد المراقب، مهما تتبّع من أحاديث الحرب وما يرد فيها، تأسيساً معقولاً يبنى عليه يمكّن من الإشارة إلى إمكانات الحرب من عدمها.
ما زالت معظم التحليلات تستند إلى إشارات شكلية خارجية، في الأغلب مبنية على تصريحات ومواقف إسرائيلية أو غربية، أو حتى تسريبات صحافية، بلا استناد إلى معطيات مادية فعلية تتيح الحكم إن كانت الحرب ستقع أو لا. لا تنظر هذه التحليلات إلى الإمكانيات العسكرية والمادية والسياسية لإسرائيل، وإن كانت تتيح لتل أبيب خوض الحرب وتحقيق ما يراد منها.
قد تعود هذه النظرة إلى المكانة الدونيّة التي ترسّخت في الوعي العربي، أمام القدرة الإسرائيلية «غير المتناهية» والتي يمكنها أن تحقق ما تريد. بحسب الدونية العربية المتكوّنة في العقود الماضية، تبقى الحرب خياراً إسرائيلياً متاحاً بلا انقطاع، ويكفي لمتّخذ القرار في الدولة العبرية أن يشير بإصبعه، كي تتحقق الحرب ونتائجها والتحكّم في ما يليها. لقد حققت هذه الدونية كثيراً من مكاسب إسرائيل في العقود الماضية: نزع دول من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، ورضوخ البعض للإرادة الإسرائيلية بلا منازعة.
في موازاة ذلك، من المفيد لمن يبحث في إمكانات وقوع الحرب من عدمها، كي تكون مقاربته أكثر مجاراة للمنطق، أن يستذكر دائماً أن أربع سنوات مرّت على فشل تل أبيب في حرب عام 2006، كانت حبلى بالشهور التسعة لجهة الدوافع والحوافز من ناحية إسرائيل لشن عدوان، بل تخللت هذه السنوات فترات مثالية لجهة توقيت الحرب وإمكاناتها من ناحية نظرية، لكنّ تل أبيب «فضّلت» أو وازنت قدراتها وقدرات أعدائها في كل مرة، ضمن منطق حسابات الربح والخسارة، ولم تتحرك الآلة العسكرية، وفضّلت الركون في الزاوية.
من المفيد لأصحاب نظرية الحرب المقبلة الوشيكة أن يستحضروا أيضاً ما يدلي به المسؤولون الإسرائيليون بين الحين والآخر، عن محدودية القدرة الإسرائيلية، قبل حديثهم عن موعد الحرب من عدمها... من هذه التصريحات، تصريح قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، لصحيفة يديعوت أحرونوت قبل فترة: «إننا في الجيش نعرف كيف نردع الطرف الآخر عن الفعل، لكننا نجد صعوبة في ردعه عن زيادة قوته.
فحزب الله يعمل على إدخال الأسلحة من دون أي كوابح. فهل من الصحيح التوصية بضربة وقائية لحزب الله؟ إننا نبحث في هذه القضية طيلة الوقت». أي إن لدى الجيش الإسرائيلي نقاشاً «طيلة الوقت» يتمحور حول إمكان شنّ ضربة وقائية على حزب الله أو عدم شنّها، وواقع عدم توجيه الضربة منذ نحو أربع سنوات، يعني أن إسرائيل «طيلة الوقت» تجد عدم جدوى و/أو عدم قدرة على توجيهها، وكلا السببين مرتبطين بداهة بقدرات المقاومة وتعاظمها عسكرياً، والأثمان التي باتت قادرة على تدفيعها لإسرائيل، جرّاء عدوانها.
أما قرار الحرب الإسرائيلية، فيجب أن يستند إلى حلول لمسائل ستواجه تل أبيب، قبل الحرب وخلالها وبعدها، وليس من ناحية عملياتية مرتبطة بقدرة أداء الجيش الإسرائيلي في المواجهة العسكرية فحسب. وإذا لم تجد حلولاً ناجعة، فمن الصعب عليها أن تباشر حرباً، ويجب أن يكون من الصعب على الآخرين أن يتوقعوا أيضاً توقيتها، سواء في الصيف أو في الشتاء، أو في كل فصول السنة.. ومن هذه المسائل:
القدرة الاستخبارية والمادية على ضرب قدرات حزب الله العسكرية النوعية، وبالتالي منعه من استخدامها إذا قررت تل أبيب الحرب. تمكين سلاح البحر الإسرائيلي من المشاركة في الحرب ومنع ضرب قطعه في عرض البحر، وبالتالي تحييده. تمكين سلاح الجو من العمل في لبنان، دون خشية من إسقاط طائراته وسقوط ملّاحيه في الأسر. التحكّم في مجريات الحرب وإيجاد خطة عسكرية تحاكي كل إمكانياتها وانحرافاتها الممكنة على أرض الواقع.
منع تدحرج الحرب نحو مواجهة مع سوريا، لا تريدها تل أبيب. منع تدحرج المواجهة نحو إيران، وهي مواجهة لا تريدها ولا تقوى عليها. إيجاد خطة تحاكي حتمية الدخول البري إلى لبنان، ومواجهة استحكامات المقاومة وما لديها من إمكانيات قاهرة لآليات الجيش الإسرائيلي ودباباته، وهي خطة لا مفرّ منها في ظل تقدير إسرائيل أنها قاصرة، وهي كذلك، عن منع تساقط الصواريخ عبر الضربات الجوية. التحكم في واقع ما بعد الحرب وحبكه بما يتوافق مع المصلحة الإسرائيلية. قدرة الجبهة الداخلية على تلقّي الهجمات الصاروخية وغير الصاروخية، وبالتالي تلقّي عدد كبير من الإصابات وحجم كبير من الدمار، وفقدان السيطرة على مناطق.
هل يمكن إسرائيل أن تدير الحرب في ظل واقع عسكري غير مسبوق، أي إدارة الحرب في ظل تلقّي مراكز التحكم والسيطرة قصفاً هائلاً يشوّش على أداء جيشها عسكرياً؟ هل يمكن إسرائيل أن تقنع الإدارة الأميركية بجدوى المواجهة وبأنها غير مؤثرة أو مضرّة بالوجود الأميركي في المنطقة؟ وهل يمكنها أن تقنع الأميركيين بأن مئتي ألف جندي أميركي في الشرق الأوسط لن يتضرّّروا جرّاء حرب على لبنان أو حرب على سوريا؟ وغيرها كثير من الأسئلة.
لا يكفي تصريح إسرائيلي، أو مقالة في صحيفة عربية، أو تحذير يصدر عن وزير حرب العدو، أو إشارة ضابط في أحد ألوية الجيش الإسرائيلي، كبُر مقامه أو صغر، كي نسارع إلى الحديث عن الحرب، وعن حتمية وقوعها، بل وعن موعدها أيضاً.
إلى الأمس القريب، كان وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك يردد عباراتها التي لاقت وتلاقي رواجاً وصدى جيداً لدى مريدي الحرب، و/أو مريدي الحديث عنها لذاتها. كرّر باراك عباراته مراراً، ومنها أن «حزب الله يحاول إدخال سلاح كاسر للتوازن إلى لبنان، وإذا علمنا أنه أقدم على ذلك، فإن إسرائيل ستدرس خياراتها»، مع تشديده أيضاً على أن الدولة العبرية لا تريد الحرب ولا تسعى إليها.. أما وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي أصبح عقلائياً فجأة، فشدد بدوره على أن تل أبيب لا تريد الحرب، بل لا «تريد أن تُقدم على أي عمل استفزازي يدفع إليها»، مشيراً إلى «حكومة إسرائيلية موزونة تدرس خياراتها جيداً»، ولا يبعد أن يكون الصراخ الإسرائيلي الأخير، وعقلانية ليبرمان الفجائية، هما ثمرة «دراسة إسرائيل لخياراتها»، وإدراك مسؤولي تل أبيب حجم الأثمان التي ستدفعها الدولة العبرية إذا قررت المواجهة مع حزب الله. ليس من الصعب التقدير أن الصراخ قد جاء بعد «الدراسة»، وقضى بإطلاق حملة غير مسبوقة، بل التسبّب بصراخ أميركي أيضاً، الأمر الذي يشير إلى فقدان تل أبيب لخيارات عسكرية عملية تحقق نتائجها المرجوّة من جهة، وتقوى على تحمّل تبعاتها من جهة أخرى..
يمكن القول إن الحرب الإسرائيلية المقبلة على لبنان، التي يَعِد ويأمل الكثيرون بها، قد وقعت بالفعل، لكنها كانت سريعة جداً بفضل قدرات المقاومة، التي منعت الجميع من تلمّس نيرانها، لكنها سمحت فقط بسماع صراخ المهزومين فيها.. استطاعت المقاومة أن تفشل الحرب قبل أن تقع، وبالتالي أن تنتصر فيها من دون معارك عسكرية.. هذه هي نتيجة «ضجة» السكود وما سبقها وما قد يليها في المدى المنظور، ويمكن القول أيضاً، في المقابل، إن إسرائيل قد تجاوزت «نقطة اللاعودة» لجهة إمكان توجيه ضربة وقائية قد تفكّر في الإقدام عليها بحق حزب الله، فالأثمان بفضل وجود السلاح باتت غير مسبوقة، إذ سبقت جهوزية المقاومة قدرات إسرائيل الفعلية.. وعلى ذلك يجب القياس للحرب التي قد تلي الحرب المقبلة، التي وقعت، وصولاً إلى ما بعد المدى الفوري والمنظور.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018