ارشيف من :أخبار لبنانية
"ليلة الدموع" مع أردوغان
كتب محمد نور الدين - السفير
أكمل البرلمان التركي، أمس، التصويت على مواد إصلاح الدستور الـ 28، بمرورها جميعاً في الدورة الثانية باستثناء المادة الثامنة المتعلقة بتعديل شروط حظر الأحزاب التي خرجت بالتالي من الرزمة.
وإذ لم تنل التعديلات غالبية الثلثين لتصبح نافذة من الآن، إلا أنها نالت العدد اللازم من الأصوات، أي بين 330 و366، من أصل 550 صوتاً، والتي تسمح لها بأن تطرح على استفتاء شعبي.
وستحال التعديلات إلى الرئيس عبد الله غول الذي أمامه الآن مهلة 15 يوماً إما لردّها إلى البرلمان من جديد أو التصديق عليها. وفي حال التصديق ستنشر في الجريدة الرسمية لتطرح التعديلات على استفتاء شعبي خلال 60 يوماً. ومن المتوقع أن يجري الاستفتاء وفقاً لهذا التقويم في أواخر تموز المقبل.
ولكن المعارضة تنتظر قرار غول لتبــني على الشيء مقتضاه، فإن وافق عليها ستطعن أمام المحكمة الدستــورية بحــجة أن هناك مواد تخل بالتوازن بين السلطات وتعـرض العلمانية للانتهاك ما يتعارض مع مقدمة الدستور. وأعلن زعيم حزب «الشعب الجمهوري» المعارض دينيز بايكال أنه سيتقدّم بطعن إلى المحكمة الدستورية، وهو يثق تماماً بحكمها فإن رفضت الطعن فسيخضع لحكم الشعب في الاستفتاء الذي يمكن أن يلي ذلك. وقال رئيس محكمة الاستئناف حسان جيرتشيكر «لقد شـددنا دائماً على أهمية فصل السلطات واستقلال القضاء. اليوم نكرّر هذا الكلام».
ومن الملاحظ أن عملية الموافقة على التعديلات اقتصرت على أصوات حزب العدالة والتنمية، وهو ما أثار دهشة المراقبين ولا سيما تجاه موقف «حزب السلام والديموقراطية» الكردي الذي يملك 20 نائباً، ومع ذلك عارض عبر الامتناع عن التصويت وعدم حضور الجلسات تمرير رزمة الإصلاحات، كما لو انه يعارض محاكمة قادة انقلاب 12 أيلول 1980 وإحالة عسكريين على المحاكم المدنية وتصعيب شروط إغلاق الأحزاب، والأكراد أكبر ضحاياها، ورفع يد القضاء عن السلطة السياسية.
وإذا كان «العدالة والتنمية» قد رفض التجاوب مع بعض المطالب الكردية وإدخالها في الرزمة فإن هذا لا يبرر الموقــف المعارض للحزب الكردي لبعض المواد الأساسية لضمان الحريات وتعزيز النظام الديموقراطي. وهذا ما فتح أمام تعليقات متعددة حول «تحالف» غير مباشر بين العلمانيين المتشددين والقوميين الأتراك والحزب الكردي، الأمر الذي يتناقض مع مسيرة الحركة الكردية في تركيا.
اقتصار الموافقة على رزمة الإصلاح على نواب «العدالة والتنمية» لا ينقص من أهميتها أبداً، بل سيكون مدعاة فخر لنواب الحزب إذ سيسجل التاريخ أنهم هم، ذوو الجذور الإسلامية، الذين قادوا عملية التغيير في تركيا فيما عارضها رافعو شعـار التغيير من كل الأطراف.
أهمية الإصلاحات كبيرة لأنها ستحدث انقلاباً في عملية المواجهة بين حزب العدالة والتنمية والقوى الديموقراطية الفعلية وبين ما تبقى من مؤسسات «الدولة العميقة»، ولا سيما المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة والمدّعين. وفي ما لو وصلت الإصلاحات إلى لحظة الاستفتاء ونجحت فيه فستكون لحظة تاريخية في تاريخ تركيا.
ولا عجب أن يجتمع نواب «العدالة والتنمية» بعد الانتهاء من عملية التصويت على كل الرزمة ويتبادلوا التهاني. وفي الاجتماع الذي عقده الحزب قبل التصويت على آخر المواد في البرلمان كانت لحظات لا تنسى عندما خاطب اردوغان نواب حزبه قائلاً «إما أن تكتبوا التاريخ أو تصبحوا منه». وأضــاف «لقد رأيتــم كيف فرحوا عندما سقطت المادة الثامنة (حول إغلاق الأحزاب) وإذا لم تمر الرزمة فستفرح العصابات والمافيات ويحزن الشعب. فلا تنسوا ذلك. فلنكتب التاريخ معاً. وإذا لم نكتبه فسوف يمحونا من صفحاته».
وتابع اردوغان إن «الأمة تنادينا وهي تقول لنا: دعكم من الصراخ في البرلمان فأنا أصل هذا العمل فتعالوا إليّ». ويروي اردوغان أن نائباً سابقاً في التسعين من العمر اتصل به وقال له «أنهوا هذا الشأن». وابتلّت عينا اردوغان بالدموع قائلاً للنواب «إنني أثق بكم». أبكى اردوغان نواب حزبه الذين أبكوه بتصفيقهم الحار له في نهاية كلمته، فوقف على قدميه مصفقاً والدموع تملأ عينيه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018