ارشيف من :أخبار لبنانية

باريس تعوّض لبنان

باريس تعوّض لبنان
باريس ــ بسّام الطيارة

كوشنير (أرشيف ــ أ ف ب)منذ فشل «حركة تيسير العلاقات العربية الإسرائيلية» والعمل على دمج إسرائيل في «بركة المصالحة المتشابكة» للشرق الأوسط عبر الاتحاد من أجل المتوسط، ابتعدت الدبلوماسية الفرنسية عن الواجهة الإعلامية، وخصوصاً أن حكومة بنيامين نتنياهو لم تترك فرصة إلا وأثبتت فيها أنّ من «العبث محاولة مساعدتها»، فأهدافها لا تتلاقى وأهداف «أصدقائها». ما زاد عجب المراقبين أن التهديدات الإسرائيلية للبنان باتت شبه يومية ومحدّدة من دون أن يحرّك مسؤول دبلوماسي فرنسي ساكناً، ما عدا استعمال لغة لا تنفي ولا تؤكد اتهامات إسرائيل بشأن «السكود» وادعاءات تهريبها عبر الحدود، وهو ما لم يتعوّده المراقبون في ما يتعلق بلبنان.

رغم هذا فإنّ مصادر عسكرية مطّلعة أكدت لـ«الأخبار» أن التسريبات الإسرائيلية للصحف وردّات الفعل عليها تدخل ضمن «حملة إعلامية لا أكثر ولا أقل». ورداً على سؤال عمّا إذا كان «لدى فرنسا معلومات عن تهريب أسلحة إلى منطقة اليونيفيل» أجاب المصدر: «حسب معلوماتنا، لا توجد صواريخ جنوب نهر الليطاني». أضاف: «أمّا في شمال الليطاني، فكيف لنا أن نعلم ما يحصل؟»، غير أن مسألة الحدود تندرج «ضمن القرارات الدولية وندعو إلى احترامها»، بحسب المصدر.

فيما يرى البعض أن هذا الكلام فيه تناقض مع تصريحات الوزير من مالطا عن «خطورة الصواريخ»، لا يرى دبلوماسيون في هذا أيّ تناقض، فوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير يتوجّه بحديثه إلى سوريا أكثر منه إلى حزب الله، وهو إشارة إلى أنّ اهتمام الدوائر الدبلوماسية ينصبّ حالياً على «خط دمشق» في ما يسمّيه بعض الدبلوماسيّين «أوامر واشنطن القاضية بإرساء قواعد تهدئة».

لا يتوقّف الفرنسيون عن «نفي وجود أيّ خطر للحرب بين إسرائيل وحزب الله»، ويقدمون لذلك حججاً مفادها أن الخطر ليس في جنوب لبنان ولا في غزة بل في «ابتعاد السلطة (الفلسطينيّة) وإسرائيل عن طاولة المفاوضات غير المباشرة». وتدرك باريس أنّ «وزن دمشق» في هذه المفاوضات كبير، فهي تؤوي من جهة الفريق المعارض للمفاوضات من دون وقف كامل للاستيطان، وتنتظر أن يعود الإسرائيليون إلى المفاوضات غير المباشرة بواسطة تركيا. لذا سعت فرنسا إلى هدفين على محور دمشق: الأول، محاولة طمأنة سوريا إلى أن لعبة إسرائيل القائمة على الانفتاح على الشق الفلسطيني عند إقفال الشق السوري والعكس بالعكس لم تعد مقبولة. والثاني، محاولة الاستفادة من الوقت الضائع لتكملة «محاولات الغرب» إبعاد دمشق عن طهران. وهذا ما فتح باب التواصل مع دمشق لـ«تركيب مشروع زيارة سريعة» لكوشنير دون أن يتوصل الطرفان إلى تحديد موعدها بتبريرات مختلفة وغير متناسقة. ففيما تقول مصادر في الخارجية إنّ «مشروع الزيارة قيد الإعداد» فإنّها تستطرد: «يجب الانتباه إلى ما يمكن أن يحصل في أوروبا، والاستعداد لحالة طوارئ محتملة». لكن من جهة أخرى، يقول دبلوماسي عربي في باريس: «من الصعب تحديد موعد زيارة عندما لا يكون برنامجها واضحاً»، كاشفاً أن وزيرة الدولة لشؤون التجارة الخارجية آن ماري إيدراك سوف تزور العاصمة السورية لـ«أهداف واضحة»، وهي المشاركة في مؤتمر «القيادات النسائية العربية». فيما يقول خبير متابع لشؤون الشرق الأوسط إنّ من الصعب قبول سوريا استقبال الوزير كوشنير مباشرةً بعد تصريحاته عن «قلقه من تكديس صواريخ قصيرة المدى ومتوسطة المدى وربما طويلة المدى» في لبنان، فيما زميله وزير الدفاع هيرفيه موران يزور قوات اليونيفيل في ١٥ و١٦ أيار، إذ يبدو كأنّ الزيارة تأتي في سياق «تحميل دمشق مسؤولية وجود الصواريخ»، وخصوصاً بعد «تجديد العقوبات» من جانب الإدارة الأميركيّة.

إلّا أن بعض المراقبين يرون أن باريس اليوم «تلعب على فراغ جعبتها» من أيّ قدرة على التأثير في مجريات الأمور، فلا هي بتقرّبها وإعلان نيكولا ساركوزي صداقته مع نتنياهو استطاعت أن تدفع تل أبيب إلى بعض «التروّي» في وتيرة بناء المستوطنات، ولا في تخفيف الحصار عن غزّة، ولا استطاعت أن تنجح بكسر خط غزة ـــــ لبنان ـــــ دمشق ـــــ طهران. يضاف إلى ذلك أنه رغم التقارب «الكبير بين باريس ودمشق» فإنّ تركيا ما زالت «الوسيط المفضّل» لدى سوريا. وبالتالي ترى الدبلوماسية الفرنسية أنّ عدم القدرة على تحقيق أيّ من هذه الأهداف، وخصوصاً بعد ما يصفه البعض بـ«تآكل مكتسباتها في لبنان» أعاد الدور بقوة إلى واشنطن، التي عادت تفرض على حلفائها عدم القيام بأيّ خطوة تسبّب إعاقة للمفاوضات غير المباشرة التي تحاول الإقلاع بها. ومن هنا يمكن تفسير الصمت الفرنسي في ما يتعلق بلبنان، والقول إنّ زيارة موران للبنان، «التي ثُبّتَت» سوف تكون لطمأنة الـ١٤٠٠ جندي فرنسي المشاركين في اليونيفيل، بينما زيارة كوشنير للبنان «في طريقه إلى دمشق» لو حصلت لكانت لتعويض اللبنانيين قدراً من الطمأنة والمساندة التي افتقدوها خلال «موجة التهديدات الفرنسية» لبلاد الأرز.

2010-05-10