ارشيف من :أخبار لبنانية

رئيس الجمهورية يخرق «الحظر» ويعطي المقاومة أكثر مما تتوقع منه سليمان يستفز مسيحيي 14 آذار.. ويستعد للمواجهة

رئيس الجمهورية يخرق «الحظر» ويعطي المقاومة أكثر مما تتوقع منه 
سليمان يستفز مسيحيي 14 آذار.. ويستعد للمواجهة

خضر طالب - السفير

لم يعد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قادراً على الاستمرار في سياسة تدوير الزوايا، وأن يتفادى لمس تلك الزوايا التي يعجز عن كسر حدّتها.
انتهت فترة السماح التي منحها لنفسه، وساهمت الظروف الموضوعية في تأمين التوازن لدوره وهو الذي يمسك العصا من وسطها، وأصبح معنياً حكماً بقول كلمة الفصل في كثير من المواضع، إذا كان يريد أن يتحوّل إلى شريك في الحكم وليس مراقباً فيه، وتلك رغبة لطالما عبّر عنها صراحة في مجالسه الخاصة، قبل أن يجاهر بها باحثاً عن مفتاح «الضوء الأخضر» الذي يمنحه «إذن العبور» إلى ساحة تجمّع اللاعبين من قادة الطوائف والمذاهب، حيث يحتكرون القرار ويمنعون على غيرهم إلا حقّ الجلوس على مدرجات الجمهور.

كان الرئيس سليمان قد ضاق ذرعاً بـ«لائحة الممنوعات» التي تطوقه: لا تعديل لصلاحيات الرئاسة الأولى، لا تغيير في المعادلة الحكومية، لا تفعيل لدوره، لا اعتراف بحضوره، لا استثمار لأي من مواقفه، لا مكان له في نادي زعماء الطوائف والمذاهب، لا كرسي له على طاولة الزعماء المسيحيين، ولو في مقعد خلفي رديف.

كل ذلك تحمّله الرئيس سليمان، وهو يمنّي النفس بظروفٍ أفضل تؤدي إلى تعديل لائحة المحظورات التي تحاصره، ولم يستطع الخروج من دائرتها إلا إلى البرازيل، لعلّ فيها ترياقاً يمنحه قوةً كافية طلباً لـ«أطراف نِعمة» من زعامة مسيحية... ولو في البرازيل..

كان الرئيس سليمان يشكو إلى المقربين والأصحاب همّه المتراكم: كلّما زارني أحد من هذا الفريق أو ذاك يتلقى العتاب فلا يُكرر زيارته... إلى أن جاءه أحد أولئك الزوار الذين نصحوه: عندما تسير على حبل ممسكاً العصا من وسطها فإن هاجسك سيكون حفظ توازنك.

كان يومها الرئيس سليمان منهكاً بتفادي السهام التي استهدفته بعد الدعوة الأولى لاستئناف عمل طاولة الحوار وتحديد أعضائها، مكتشفاً أنه لم يرضِ أحداً، كما أن أياً ممن كانوا يوحون له بالدعم لم يؤمنوا له أي درع حماية، بل وأفسحوا المجال لعبور تلك السهام...

في تلك اللحظة قرر الرئيس سليمان تغيير النهج والسلوك، بل وطريقة اللعب التي تكتسب جمهوراً يصفق حتى ولو استثارت جمهوراً آخر كَتَمَ «صفيره».
كانت التحضيرات للمرحلة الأولى من الانتخابات البلدية جارية على قدم وساق، بينما كانت إسرائيل تفتعل أزمة صواريخ سكود، فقرر رئيس الجمهورية «حماية المقاومة برموش عيونه» التي أصاب «سحرها» المقاومة بـ«الخجل».

أدرك الرئيس سليمان «نقطة الضعف» عند حزب الله الذي لطالما أثبت أنه يحفظ لحلفائه بـ«رموش العيون» كل ما قدموه له من حماية، فكيف إذا كان رئيس الجمهورية يريد حماية المقاومة بـ«رموش عيونه»؟

ثمة من يقول إن حزب الله ترك لحليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري حرية الحركة التي تسمح بـ«ردّ التحية» للرئيس سليمان، فكانت معركة جبيل البلدية «عربون امتنان»، ولو من حساب حليف استراتيجي لا غنى عنه لكنه يملك رصيداً كافياً يسمح له أن يصرف منه القليل لصالح رئيس الجمهورية من دون أن يتأثّر واقعه، ويساهم أيضاً في قطع الطريق على أي استثمار من قبل مسيحيي 14 آذار لأي خلل انتخابي قد يصيب العماد ميشال عون في جبل لبنان. لكن العماد عون لم «يهضم» تلك التضحية بسهولة، لأنها كانت من حسابه وحده فقط وليس من حساب مشترك، وإن كان النقاش في هذه النقطة تحديداً ما يزال في بدايته.

وبسرعة قياسية تبيّن لمسيحيي 14 آذار الذين تجنّدوا لإسقاط العماد عون في جبيل أنهم لم يربحوا، وأن الانتصار هو في حساب الرئيس سليمان، واكتشفوا أن كل جهودهم كانت في خدمة رئيس الجمهورية، تماماً كما كان يريد البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي تبادل «تحيات» سياسية و«رسائل نيات» مع الرئيس نبيه بري الذي تولّى بنفسه تقديم الزخم المطلوب لفوزٍ يُحتسب لصالح رئيس الجمهورية.

وبسرعة أيضاً، أدرك الرئيس سليمان أن استثمار «رموش عيونه» قابل لمزيد من «الأرباح»، وأنه وضع مشروع «الزعامة» على السكّة لأول مرة منذ توليه الرئاسة، فقرر أن يتشجّع أكثر: لم ينتصر لحملة رئيس الحكومة سعد الحريري على وزير الاتصالات شربل نحاس، بل وربما كان أقرب إلى وجهة نظر الوزير المحسوب على العماد ميشال عون، فقذف ملف الخلاف إلى الأمام لعل ذلك يساهم في استيعاب تلك الحملة.

وإذا كان الموقف في هذا الملف ملتبساً، إلا أنه كان واضحاً في تقييم وزير الداخلية زياد بارود لأسباب تدني نسبة المشاركة في انتخابات العاصمة بيروت، عندما وضع ذلك التدني في عهدة الذين عارضوا قانون النسبية في العاصمة، وهذا ما أثار رئيس الحكومة سعد الحريري الذي جاء جوابه سريعاً على لسان النائب عمار حوري بانفعال لافت للانتباه يعبّر عن احتقان في العلاقة مع الرئيس سليمان انفجر في وجه الوزير بارود، وهو احتقان لا يرتبط بما قاله وزير الداخلية تحديداً وإنما بجملة تحفظات على سلوك رئيس الجمهورية، وربما تحديداً بموقفه من الحملة التي يشنها فريق رئيس الحكومة على وزير الاتصالات، فضلاً عن دخول الرئيس سليمان على خط طروحات العماد عون بشأن وضع العاصمة بيروت انتخابياً والذي جاء في توقيت كان فيه الرئيس الحريري غير مرتاح لما حملته مؤشرات نسبة الاقتراع في العاصمة.

قبيل انتخابات بيروت والبقاع، كان الرئيس سليمان يوجّه «رسالة شكر وامتنان» أثارت حفيظة حليفه «الخفي» البطريرك نصر الله صفير الذي لم يعجبه أن «يغرق» رئيس الجمهورية في التمسّك بسلاح المقاومة، وأن يبادر بنفسه إلى تعطيل دور طاولة الحوار التي كان دعا إليها عندما أعلن أنه «لن ينزع سلاح المقاومة ما دام العدو الإسرائيلي متربصاً بلبنان وما دامت الاستراتيجية الدفاعية لم تنجز بعد».

لكن.. لكل من الرئيس سليمان والبطريرك صفير، حساباته وظروفه وأسبابه، كما لمن يحتسب من مسيحيي 14 آذار في خانة بكركي حساباتهم، وهم أصبحوا يتوجّسون من الرئيس سليمان واستعداداته وحساباته التي يبدو أنها ستكون في الأغلب من رصيدهم... فهل ستكون المواجهة قريبة؟


2010-05-11