ارشيف من :أخبار لبنانية
دقِّقُوا جيداً في تدنّي نسبة المقترعين
سركيس نعوم - النهار
قد لا نتفق كثيراً مع الاطروحات الاصلاحية لوزير الداخلية زياد بارود، وليس لأننا رجعيون، بل لأننا نؤمن واستناداً الى تجارب موجعة عاشها اللبنانيون قبل الحروب وبعدها، بأن البيئة الصالحة للاصلاح لا تزال غير متوافرة في لبنان خلافاً لادعاءات اعضاء الطبقة السياسية كلها من قدامى وجدد والطامحين الى دخول عضويتها، الا ربما في الشكل، فالدولة الفعلية على علاتها غابت عام 1975، والذي حل محلها كان دولة شكلية ذات مؤسسات غير جدية وغير فاعلة.
والشعب اللبناني المنقسم منذ الاستقلال الاول، بل منذ ما قبله، تفاقمت انقساماته فصار شعوباً متناحرة جاهزة في استمرار للاستنجاد بالخارج على انواعه بغية تحقيق الفوز والنصر وإن على حساب الثوابت الوطنية، مثل السيادة والاستقلال والحرية والتنوع. كما اننا قد لا نتفق مع بعض قادة المجتمع "المدني" رغم نشاطهم الواسع الذي نشجعهم على الاستمرار فيه وخصوصاً عندما يطلقون مواقف سياسية منتقدة جهات سياسية او زعماء سياسيين لا تتوافق مع مهمتهم ورسالتهم وحياديتهم المفترضة لاسباب نجهلها.
وابرزها كان ليل اول من امس على شاشة تلفزيونية اذ قال أحد هؤلاء إنه ما كان على رئيس الحكومة سعد الحريري "التدخل" في الانتخابات من خلال دعوته انصاره الى الاقتراع لـ"لائحة وحدة بيروت" سواء يوم الانتخاب او في لقاءاته الانتخابية قبله. لماذا؟ لأنه رئيس حكومة.
وقد تناسى صاحب هذا القول، الذي كان حقاً ربما لكن يراد به باطل، ان الحكومة الحالية ليست انتقالية او ليست ذات مهمة محددة هي اجراء الانتخابات البلدية والاختيارية، كما كانت مهمة حكومة الرئيس ميقاتي في الـ2005 اجراء انتخابات نيابية، فهي حكومة سياسية، ورئيسها سياسي، وتياره يخوض الانتخابات في ظروف لبنان المعروفة وتعقيداتها الكثيرة من خارجية وداخلية.
وما يطلبه منه المواطنون وهو في هذا الموقع، ليس عدم الاشتراك في الانتخابات اقتراعاً وتعبئة، بل ضمان الامن والفرص المتساوية والحرية لهم كلهم. والتجارب الانتخابية في الدول العريقة في الديموقراطية، وكلها - لمن لا يعلم او لمن يتجاهل - تنتمي الى العالم الاول الذي ليس لبنان منه، يشارك فيها رؤساء الحكومات ورؤساء الجمهوريات الذين يقومون بالجولات في ارجاء بلدانهم طلباً لدعم الناس لاحزابهم ولمرشحي هذه الاحزاب.
لكننا نوافق وبالفم الملآن وزير الداخلية زياد بارود ان من حقه الإدلاء برأي سياسي تحليلي عن احد اسباب تدنّي نسبة التصويت في العاصمة وخصوصاً انه اكد انه رأي شخصي له. ونعتقد ان الرد عليه بحزم وتهذيب في آن واحد، وربما بتهديد، لم يكن في مكانه، فضلاً عن انه عكس حقيقة وجود نوع من العتب والزعل كي لا نقول الغضب على تدني نسبة المقترعين عند تيار "المستقبل" وحلفائه الذين جاء الرد من احد نوابهم البارزين، علماً اننا لسنا من دعاة النسبية في بلاد "فارطة" وعاجزة في الوقت نفسه عن اعادة تكوين نفسها.
كما نُصدِّق نسبة الاقتراع في العاصمة التي اعلنها بارود، اي 21 في المئة، لأنها نابعة من تحليل حسابي للارقام وليس من موقف سياسي. ولا نُصدِّق نسبة الـ24 في المئة التي تمسك بها "تيار المستقبل" للمقترعين. الا اذا كان المقصود منها "اقناع" الناس اي البيارتة والجمهور الضخم للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وربما اقناع انفسهم بأن كل شيء على ما يرام بينهم وبين هذا الجمهور، وبأن عدد المشاركين في انتخابات الاحد الماضي البلدية والاختيارية كان اكثر وبنسبة اقل من اثنين في المئة من عدد المشاركين في الانتخابات المماثلة التي اجريت عام 2004 وفي حياة الشهيد.
هل من اسباب واضحة لتدني نسبة المشاركين في انتخابات الاحد الماضي؟
قال مرشحو المسيحيين والسياسيون الذين يدعمونهم ان عدم الاقبال قبل الظهر كان سببه حضورهم "القداس". وكان على وسائل الاعلام ان تزور الكنائس لتعرف اذا كان ذلك صحيحاً. ذلك ان الكنائس بدورها تعاني انخفاضاً في من يرتادها أداءً لواجب ديني.
علماً ان هذه النسبة ارتفعت قليلاً في السنوات القليلة الماضية بسبب الاجواء الطائفية والمذهبية المعروفة، اما مرشحو المسلمين والسياسيون الذين يدعمونهم فقال بعضهم ان ابناء بيروت صاروا يقيمون خارجها. وقال بعضهم الآخر ان اليوم أحد والطقس جميل، وانهم يرتاحون ويشمون الهواء وسيعودون بعد الظهر اي بعد الغداء للانتخاب. لكن بعد الظهر كان كل هؤلاء وعلى تناقضهم يتوسلون من على شاشات التلفزيون، كل على طريقته، الناخبين للنزول الى اقلام الاقتراع. وكان الخوف واحياناً الهلع باديين على وجوههم.
اما اسباب تدني الاقبال فقد نوافق ما اورده منها البعض في اثناء محاولته التخفيف من صدمته والايحاء للناس انه حقق انتصاراً كاملاً وكبيراً، مثل ان الاقبال على الانتخابات البلدية ضعيف دائماً، ومثل انه لم يكن هناك معركة فعلية في بيروت بسبب ضعف المنافسين من السنّة طائفة الاكثرية في العاصمة، وبسبب احجام "حزب الله" عن توحيد معارضي "المستقبل" كما جرت العادة لخوض معركة ضدهم وإن مع امل ضعيف في ربحها، وبسبب الحرص على تلافي فتنة مذهبية اسلامية. لكننا نضيف اليها اسباباً محتملة اخرى، لا نجزم بها لكننا ندعو الى التحقق من وجودها او عدمه، وذلك كي تكون الحسابات دقيقة مستقبلاً: منها "نقنقة" بعض جمهور "المستقبل" سواء لأسباب سياسية او لأسباب مصلحية او لأسباب مادية او لأسباب خدماتية او لأسباب سياسية او لأسباب متعلقة بارتباك المكلفين "مأسسة" المستقبل وبقلة خبرة بعضهم وبالتنافس في ما بينهم، كما بين الطامحين الى القيام بدور داخل تيار خاطروا بالكثير لأجله منذ اغتيال الشهيد الحريري عام 2005 ولا يزالون، وهؤلاء في بيروت والجبل والبقاع والشمال والجنوب.
ومن الاسباب ايضاً وقوع التيارات والاحزاب السياسية كلها في تناقضات التحالف والتنافس في آن واحد، وإرباكاتها. ومنها اخيرا انقلاب ميزان القوى داخل لبنان وشعور ابناء "المستقبل" انهم صاروا في موقع الدفاع. وموقع كهذا يدفع البعض الى المهادنة ظاهراً أو الى "اكتشاف" العيوب في من ينتمي اليهم. ويدفع البعض الآخر الى "الانتحار". اما على الصعيد المسيحي فان تدني الاقبال على الاقتراع ليس جديداً رغم ان "النق" المسيحي و"الخوف" المسيحي و"الصراع" المسيحي و"النقزة" المسيحية اكبر من كل ما يماثل هذه الامور عند المسلمين.
ولا نصدق سبباً لذلك الا اذا كان عددهم الفعلي اقل - وبكثير - من المسجل في لوائح الشطب، او الا اذا فقدوا ايمانهم بلبنانهم الوطن. لكن ما نعرفه انهم سيخسرون عاجلاً المناصفة وليس آجلاً اذا استمروا على لامبالاتهم رغم صدق الذين يؤكدون ثباتها. وسيجرّون البلاد بأيديهم الى "صيغ" اخرى قد تكون المثالثة احداها وربما لاحقاً المناصفة ولكن بين السنّة والشيعة.
واذا ظنوا ان اللامركزية المشابهة للفيديرالية قد تكون احدى هذه الصيغ يكونون مخطئين. واذا صح ظنهم فإنهم لن يحصلوا على ما يأملونه من حسنات منها بل على سيئاتها وهي كثيرة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018