ارشيف من :أخبار لبنانية

من يخالف قانون الاتصالات؟ استقالة موظّف ومحاولة انقلاب على الوزير

من يخالف قانون الاتصالات؟
استقالة موظّف ومحاولة انقلاب على الوزير
محمد زبيب - الاخبار

مواقف شربل نحّاس ليست خافية على أحد. فالجميع يعرف مواقفه «الراديكالية» عندما يتعلّق الأمر بمصالح الدولة والمجتمع والاقتصاد... إلا أن البعض، ممّن اضطُروا إلى التعايش مع فكرة توزيره غصباً عنهم، راهنوا ضمنياً على احتمال أن يغيّره الموقع الوزاري، فيراعي مصالحهم ليحقق مصالحه الخاصّة... لكنّ ذلك لم يحصل. انتظروا شهراً وشهرين وثلاثة... فإذا به يعلن في أول مؤتمر صحافي له في مطلع شباط الماضي موقفاً واضحاً جدّاً لا لبس فيه: «إن تحرير خدمات الاتصالات الخلوية يمرّ أولاً وأساساً بفصل الشِّقّ الضريبي عن الشِّق التشغيلي، وكل خصخصة لا تمرّ بهذا الطريق تكون تكريساً للواقع الاحتكاري، فتُحوّل الاقتطاع الضريبي إلى احتكار خاص... لذلك لن أسمح بخصخصة أي نشاط أو مجموعة نشاطات تتضمن مكوناً ضريبياً».

لم يكتف نحّاس بهذا الموقف، بل ذهب أبعد من ذلك، كاشفاً عن دراسة أوّلية باشر بتنفيذها فور تولّيه مهماته في وزارة الاتصالات، تبيّن أن العائدات الإجمالية المتأتية من قطاع الخلوي، تنقسم كالآتي:

* 65% منها مكوّنات ضريبية وشبه ضريبية تتضمن ضرائب ووفوراً حجمية ومكاسب إنتاجية محولة إلى ريع سيادي.
* 10% منها خدمات غير مفوترة.
* 25% منها فقط تتصل بالعمل التشغيلي والتجاري.

بمعنى آخر، إن الجزء القابل للخصخصة يمثّل فقط 35% من العائدات التي تتجاوز قيمتها 1.3 مليار دولار سنوياً، أي نحو 450 مليون دولار! أمّا الجزء الآخر، فيجب معالجته لخفض الكلفة المرتفعة على المستهلكين. وقد أعلن نحّاس منذ أيام أنه مع خفض فاتورة الخلوي التي يتحمّلها المستهلك إلى الثلث، لكن القرار هو بيد مجلس الوزراء، لا بيد الوزير وحده، مشيراً إلى أنه يتأنّى في طرح مثل هذا الخفض، شعوراً منه بوضع المالية العامّة، ولاقتناعه بأن ذلك يجب أن يأتي في إطار عملية شاملة تستهدف إحداث تغيير جوهري في بنية النظام الضريبي واستهدافاته.

طبعاً، هذا الموقف لم يعجب الطامعين باقتناص رخص الخلوي، وتكرار تجربة عقود الـBOT الشهيرة مع شركتي سيليس وليبانسل، فالمشروع المعدّ سلفاً يرمي إلى بيع القطاع بما فيه من ضرائب وشبه ضرائب من أجل أن يضمن الشاري أرباحاً خيالية، وهذا لا يمكن ضمان استمراره إلا إذا استمرت بنية الأكلاف المرتفعة بما يمنع دخول منافسين جدد ويضمن استمرار الاحتكار إلى أمد طويل... لذلك جرى تضخيم التوقّعات من عائدات بيع الشركتين الحاليتين، التي وصلت، بحسب وزير الاتصالات السابق مروان حمادة، إلى 7 مليارات دولار!

لم تتأخّر وزيرة المال ريا الحسن في الرد، إذ أعلنت في مقابلة لها أن فريقها لن يقبل بهذا التقسيم للفاتورة الخلوية «لأننا عندما نريد بيع الرخصتين سنبيعهما بحسب revenue stream، أي حسب تدفق الإيرادات الكلّي لا المجزّأ، فاعتماد طريقة أخرى يقلّل من قيمة الرخصتين...».

لقد كشفت الحسن النيات بصورة مبكرة، فالهمّ الطاغي ليس بيع القطاع فحسب، بل بيع الضرائب معه، ولو على حساب المستهلكين الذين يتكبّدون أعلى كلفة لأسوأ خدمة، وعندما جرت مواجهتها بسؤال في هذا السياق، لم تجد غير المعزوفة نفسها للإجابة: «المنافسة كفيلة بخفض الأسعار»، متناسية أن القطاع كان بين يدي شركتين خاصتين قامتا بالتحالف لا التنافس لتحقيق أعلى معدّلات ربحية بدعم الحكومة ورعايتها.

هذه هي اذا خلفية الحملة على نحاس واصلها، وهي ستتواصل فصولا طالما واصل وزير الاتصالات تمسّكه بمواقفه وصلاحياته.

استغلال استقالة شحادة

لن تكون استقالة رئيس الهيئة المنظّمة للاتصالات كمال شحادة مدرجة على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء العادية اليوم، نظراً إلى انعقادها في السرايا الحكومية برئاسة سعد الحريري. ويُتوقّع أن لا تُبحث في جلسة الخميس، برئاسة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لأن الجلسة مخصصة لمناقشة مشروع موازنة عام 2010 حصراً، إلا إذا طُرحت على هامش هذه الجلسة... ما يعني أن استخدام هذه الاستقالة «الملتبسة في توقيتها ومبرراتها المكتوبة في الرسالة الموجّهة الى رئاسة مجلس الوزراء» قد يعيش مدّة أطول مما عاشه الفصل الأول من الحملة المنظّمة على وزير الاتصالات شربل نحّاس، أي فصل «التزوير» الذي استند الى مسوّدة محضر اجتماع غير ممهور بأي توقيع ولا يحمل أي صفة رسمية للادعاء أن هناك تقريراً فنّياً حجبه نحّاس عن لجنة الاتصالات النيابية في معرض مناقشاتها لمخاطر الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية.

لقد نجح رئيس الحكومة سعد الحريري في تحويل استقالة «موظّف» الى قضيّة تستحق تفرّغ رئيس الجمهورية لها. إلا أن الرئيس سليمان بات يملك مفتاح إسقاط الفصل الثاني من الحملة، كما سقط الفصل الأول. فقد أخذ على عاتقه جلاء الأسباب الحقيقية وراء استقالة شحادة، وأصبح في جعبته ما يكفي للتعامل معها بحجمها الطبيعي وتأكيد خلفياتها «الشخصية»، وذلك بسبب تبلّغه من شحادة نفسه إصراره على الاستقالة للانتقال الى عمل آخر.

ويكفي الآن أن يعلن الرئيس سليمان ما توصّل إليه في لقاءاته مع أعضاء مجلس إدارة الهيئة المنظمة للاتصالات لتُسدل الستارة على الفصل الجديد من الحملة على نحّاس، وليبدأ فريق الحريري بالبحث عن «كذبة» جديدة ليفتح فصلاً آخر، ما دام الهدف واضحاً، وهو إزاحة كل ما يعترض عمل منظومة الفساد الراسخة.


مخالفة قانون الاتصالات

لم يكن الرئيس سليمان نصيراً للوزير نحّاس بمعنى ما، فهو سعى جاهداً لإقناع شحادة بالرجوع عن استقالته، على الرغم من معرفته الواسعة بتداعيات مثل هذه الخطوة بعد الهجوم «المسعور» الذي كان شاهداً عليه في جلسة مجلس الوزراء السابقة، إذ جرى التلطّي وراء كتاب استقالة شحادة لاتهام وزير الاتصالات بمخالفة القانون 431 (قانون تنظيم قطاع الاتصالات الذي أنشئت الهيئة بموجبه) ومحاصرة الهيئة مالياً وسلبها صلاحياتها ومنعها من ممارسة مهماتها... وهو ما مهّد لمطالبة وزير العمل بطرس حرب بتأليف لجنة تحقيق بأسلوب يتماهى كثيراً مع مطالبة النائب عقاب صقر وبقية الفرقة بوضع استقالة نحّاس بتصرف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء أو باستقالته، وإلّا «فإقالته المجلجلة»، تماماً كالتهديد بإنهاء مستقبل بارود السياسي من «الفرقة» نفسها!

ليس في القانون 431 أي نص واضح يتعلّق بآليات قبول استقالة رئيس أو أعضاء الهيئة أو رفضها. فالمادة الثامنة تنص على أن الولاية «تنتهي بانتهاء الولاية أو الوفاة أو الاستقالة أو إنهاء العضوية أو العزل». وهناك سابقة حصلت عندما استقال عضو في مجلس إدارة الهيئة فور تعيينه في عام 2007، فلم يتخذ مجلس الوزراء قراراً في شأنها وأعتُبرت واقعة حكماً بمجرد إعلانها، كذلك لم يعيّن بديل منه حتى الآن، على الرغم من انقضاء نحو ثلاث سنوات من مدّة ولاية هذا المجلس المحددة بخمس سنوات غير قابلة للتجديد أو التمديد.

على الرغم من ذلك، استدعى الرئيس سليمان رئيس الهيئة المستقيل يوم الجمعة الماضي، وطلب إليه العودة عن استقالته. إلا أن شحادة، بحسب المعلومات، أصرّ على ما تقدّم به، علماً بأنه سعى جاهداً إلى إبراز خلافاته مع وزراء الاتصالات منذ تأليف الهيئة، مركّزاً على مرحلتي الوزيرين جبران باسيل وشربل نحّاس... كذلك استدعى الرئيس سليمان أول من أمس رئيس الهيئة بالإنابة عماد حبّ الله وعضوي مجلس الإدارة باتريك عيد ومحاسن عجم، واستفسر منهم عن طبيعة الخلافات مع الوزير نحّاس ومدى صحّة الكلام عن مخالفته للقانون 431...

لم يجد سليمان في لقاءاته ما يدعم الحملة على نحّاس. فمجلس إدارة الهيئة كان قد أعدّ منذ منتصف آذار الماضي، أي قبل استقالة شحادة، إطاراً واضحاً للتعاون مع وزير الاتصالات، وفقاً لما ينص عليه القانون، وجرى الإعلان عن هذا الإطار في الأيام القليلة الماضية، وهو يوضح آلية العمل بينهما كما يأتي:
- إن وزير الاتصالات هو من يحدد السياسة القطاعية والقواعد العامة لتنظيم خدمات الاتصالات، وله أن يستشير الهيئة والمعنيين.

- تصدر أنظمة الهيئة المالية والإدارية بمراسيم عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير.

- تصدر الهيئة الأنظمة المتبقية المتعلقة بتنفيذ قانون الاتصالات (مثلاً أنظمة الترخيص، ومواءمة المعدات وإدخالها، وجودة الخدمة، وحماية المستهلكين وغيرها) استناداً إلى القواعد العامة للتنظيم المذكورة أعلاه، بالتنسيق مع الوزارة، وبعد التشاور مع المؤسسات والإدارات والأطراف المعنية (مثلاً مجلس الشورى، الوزارات المسؤولة عن القوى الأمنية والعسكرية...) مع مراعاة القوانين والاتفاقيات الدولية المرعية الإجراء.

- تصدر الهيئة التراخيص بناءً على الأنظمة المذكورة (ما عدا ما يتطلب قرارات من مجلس الوزراء المادة 19-1 من قانون الاتصالات) وتسهر على تنفيذ هذه الأنظمة والقوانين وتراقب السوق.

ونوّهت الهيئة، في هذا الإطار التوضيحي، بأهمية وضع تحديد واضح وصريح لمفهوم تحرير القطاع ورفع كل القيود غير المبررة من إدارية وضريبية وتحويل قطاع الاتصالات إلى نشاط اقتصادي مجدٍ للبلاد، واعتبار الخصخصة وسيلة متاحة لتشجيع المنافسة في مجال تقديم الخدمات مع الاستفادة من البنى التحتية التي توفرها الوزارة، ولا سيما من خلال زيادة السعات الدولية ومدّ شبكة الألياف البصرية وتحديث نظم عمل المقسمات.

وقد اتُّفق على «ترشيد» استخدام الهبات المتاحة للهيئة من الجهات كافة: الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي... في إشارة غير مباشرة الى ما يتداول عن وجود هبة أميركية تقضي بتركيب أجهزة لمراقبة الترددات يمكن أن تُستخدم لأغراض أخرى!

بمعنى آخر، إن رئيس الجمهورية بات يدرك تماماً أن القانون يمنح الوزير صلاحيات معيّنة، ويمنح الهيئة صلاحيات أخرى، وبالتالي، ما اشتكى منه شحادة في كتاب استقالته لا ينبع من القانون، بقدر ما ينبع من رغبات راسخة في تفسيره، ما يجعل الوزير مجرد «ساعي بريد» بين الهيئة ومجلس الوزراء، وهو ما يتناقض كلّياً مع أحكام الدستور، وقانون الاتصالات نفسه، التي تعطي الوزير صلاحيات واسعة في إدارة وزارته وتحديد سياساتها القطاعية العامّة.

2010-05-12