ارشيف من :أخبار لبنانية
لمَن يُصغي المسيحيون للبطريرك أم الرئيس؟!
ادمون صعب
«إن لبنان إذا لم يهتم بإنتاج مواطنيه بكثرة وزيادة عدد سكانه، فإنه مهدد في المدى الطويل»
ميشال شيحا (1949)
... وتستمر الملهاة أسبوعين آخرين، بنجاح كبير، مبتعدة باللبنانيين عن همومهم الداخلية والأخطار التي تتهدد بلدهم من الخارج، إضافة إلى التحركات التي تشهدها الساحة الإقليمية، من قمة سورية ـ تركية ـ قطرية في اسطنبول دعماً للموقف السوري في مواجهة التهديدات الإسرائيلية لسوريا والمقاومة... إلى الجهود المبذولة من جانب الأميركيين لإحياء المفاوضات ـ بل المحادثات ـ غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والأجواء غير المريحة التي أشاعها إعلان إسرائيل أن لا ضمانات من جانب تل أبيب لواشنطن بوقف الاستيطان.
إلى الأخطار والتحركات الخارجية، وانعكاساتها على الداخل الذي نال نوعاً من الهدنة في موضوع المقاومة وسلاحها، هناك
القضايا المؤجلة، لا بل المجمدة، من الموازنة، إلى التعيينات، مروراً بالاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة التي افتضح أمرها بعد تسليط «السفير» الضوء عليها، وما أعقبها من حملة مركّزة على وزير الاتصالات بسبب تقرير فني مزعوم لم يلبث مديرو هذه الحملة أن انكفأوا بعد بيان واضح للجيش ينفي فيه بطريقة غير مباشرة وجود مثل هذا التقرير.
إلا أن هذه الهدنة المفترضة تهاوت مع كلام البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله بطرس صفير، الذي يبلغ التسعين من العمر في الخامس والعشرين من هذا الشهر، حين سُئل في المطار يوم الأحد لدى عودته من الأردن، رأيه في حديث صحافي لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
وكان الرئيس قد أعلن أنه «لن يُنزع سلاح المقاومة ما دام العدو الإسرائيلي متربصاً بلبنان، وما دامت الاستراتيجية الدفاعية لم تُنجز بعد»، فأجاب مشككاً بالثقة بالرئيس وحسن تقديره للموقف من العدو الإسرائيلي وضرورة البقاء شعباً وجيشاً ومقاومة على استعداد لمواجهة أي اعتداء يشنه على لبنان: «إن الرئيس له أسبابه ليقول ما قال». وأضاف: «نحن نقول إن في البلد الواحد يجب أن يكون هناك سلاح واحد»، موضحاً أنه لا يدري خلفيات كلام الرئيس.
وإذا لم يكن من عادة الرئيس التعليق، فإننا نجد أن ثمة سؤالاً مشروعاً يطرحه على أنفسهم اللبنانيون عموماً، والمسيحيون منهم خصوصاً، والرئيس هو رئيس الجميع: إلى من نُصغي في مثل هذه القضايا؟ أللسلطة السياسية، أم للسلطة الدينية والطائفية مع احترامنا الكلي لرؤساء الطوائف؟
وهل يحق لرئيس أي طائفة القفز من فوق المقامات وتجاوز المؤسسات في ما يعنيها من إدارة شؤون الدولة؟
ثم أليس من واجب رجال الدين النظر إلى المصلحة العامة، واحترام المسؤولين وعدم «القوطبة» عليهم وإدخال المواطنين في متاهات يصعب الخروج منها بسهولة حول من يصدّقون في الأمور الخطيرة والمهمة: رجل الدين، أم رجل الدولة؟! مع ما ينطوي عليه مثل هذا الإشكال «الشرعي» من توجيه رسالة خاطئة إلى العدو المتربص بنا الدوائر والذي يهدد وطننا يومياً، بأن اللبنانيين منقسمون حول العدو وشرعية التصدي له، إذا ما تعرض بلدهم لاعتداء منه.
وبطريقة أوضح: هم منقسمون حول السلاح كما حول من يقود البلاد في حال تعرضها للخطر، وكأن البطريرك في قوله عن الرئيس إن «له أسبابه» يوحي بأن الرجل مغلوب على أمره! وليس حراً في قراره...
وليت صاحب الغبطة أولى موضوع الهجرة اهتماماً أكثر من موضوع الدفاع، لأنه ليس من اختصاصه، ولا سيما بعدما صرح أخيراً أن الهجرة استنزفت اللبنانيين منذ أواخر الثمانينيات حيث كان يهاجر سنوياً قرابة 80 ألفاً أكثريتهم الساحقة من المسيحيين. وأعطى رقماً مذهلاً ومخيفاً هو مليون مهاجر خلال نحو عقدين أي قرابة ثلث الشعب اللبناني؟! وهذه نكبة في نظر اللبنانيين جميعاً لا في نظر المسيحيين فحسب، لا توازيها سوى النكبة التي نزلت بهم مطلع القرن الماضي وأشار إليها البطريرك الياس الحويك في المذكرة التي قدمها إلى مؤتمر السلام في باريس في 25 تشرين الأول 1919 مطالباً المجتمع الدولي «بإنزال العقوبات بمرتكبي الفظائع والمحرضين عليها».
وسبق لأحد المفكرين اللبنانيين الكبار أن تساءل: «هل كان لبنان سيرزح تحت عبء الانتداب وينتهي دولة مفككة تفترسها الطائفية ويتحكّم بها الإقطاع، وينهشها الفساد، وتهددها إسرائيل باستمرار فينقسم أهلها حول الدفاع عنها، لو أن اللبنانيين حملوا السلاح عندما ظهرت في الأفق بوادر انهيار الحلف التركي ـ الألماني في الحرب العالمية الأولى، ورفضوا الانتداب على أنواعه، الفرنسي والإنكليزي، وأصروا على الاستقلال وبناء دولة مدنية، بدل التحول محمية فرنسية ثبّتت أركان الدولة الطائفية، وقسّمت اللبنانيين قبائل وشعوباً يتقدم لديها الولاء الطائفي والهوية الطائفية على الولاء الوطني والهوية الوطنية؟
لقد عاد البطريرك الماروني من زيارة للأردن دشّن خلالها كنيسة مار شربل، في عمّان، ووضع الحجر الأساس لكنيسة مار مارون على ضفاف نهر الأردن بالقرب من البحر الميت. وحبذا لو نظر الأب الروحي للموارنة، عبر نهر الأردن حيث تعمّد السيد المسيح والبحر الميت، إلى فلسطين المحتلة التي تأتي إليها إسرائيل باليهود من أقاصي الأرض، فيصادرون أراضي الفلسطينيين العرب، مسلمين ومسيحيين، ويوطّنون يهود الشتات فوقها، وقد هبطت نسبة المسيحيين في القدس إلى 3 في المئة، وسأل نفسه: هل يعقل أن يهجر المسيحيون لبنان بمئات الألوف في حين تجذب إسرائيل مئات الألوف من اليهود سنوياً إلى «أرض الميعاد»؟ وما العمل لتحويل لبنان من «وطن طارد» للمسيحيين، إلى «وطن جاذب» لهم؟
لقد كانت المفاجأة الكبرى في انتخابات بيروت البلدية والاختيارية، ليست الرفض للاستئثار من خلال النسب المتدنية للمشاركة في الاقتراع، بل في النسب العالية للهجرة المسيحية من بيروت إلى خارجها والعالم الخارجي. وهذا ما ينبغي أن يقض مضجع البطريرك ومعه المطران الياس عودة، لأن الأكثرية المهاجرة من الروم الأرثوذكس.
وفي ذلك يصح قول المسيح: «مرتا، مرتا، أنت مهتمة بأمور كثيرة والمطلوب هو واحد».
إن المطلوب يا سيدنا البطريرك هو أن يبقى في لبنان مسيحيون ليستحقوا المناصفة التي تُعرض عليهم من المسلمين، وكأنها منّة أو حسنة لوجه الله!
«إن لبنان إذا لم يهتم بإنتاج مواطنيه بكثرة وزيادة عدد سكانه، فإنه مهدد في المدى الطويل»
ميشال شيحا (1949)
... وتستمر الملهاة أسبوعين آخرين، بنجاح كبير، مبتعدة باللبنانيين عن همومهم الداخلية والأخطار التي تتهدد بلدهم من الخارج، إضافة إلى التحركات التي تشهدها الساحة الإقليمية، من قمة سورية ـ تركية ـ قطرية في اسطنبول دعماً للموقف السوري في مواجهة التهديدات الإسرائيلية لسوريا والمقاومة... إلى الجهود المبذولة من جانب الأميركيين لإحياء المفاوضات ـ بل المحادثات ـ غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والأجواء غير المريحة التي أشاعها إعلان إسرائيل أن لا ضمانات من جانب تل أبيب لواشنطن بوقف الاستيطان.
إلى الأخطار والتحركات الخارجية، وانعكاساتها على الداخل الذي نال نوعاً من الهدنة في موضوع المقاومة وسلاحها، هناك
القضايا المؤجلة، لا بل المجمدة، من الموازنة، إلى التعيينات، مروراً بالاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة التي افتضح أمرها بعد تسليط «السفير» الضوء عليها، وما أعقبها من حملة مركّزة على وزير الاتصالات بسبب تقرير فني مزعوم لم يلبث مديرو هذه الحملة أن انكفأوا بعد بيان واضح للجيش ينفي فيه بطريقة غير مباشرة وجود مثل هذا التقرير.
إلا أن هذه الهدنة المفترضة تهاوت مع كلام البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله بطرس صفير، الذي يبلغ التسعين من العمر في الخامس والعشرين من هذا الشهر، حين سُئل في المطار يوم الأحد لدى عودته من الأردن، رأيه في حديث صحافي لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
وكان الرئيس قد أعلن أنه «لن يُنزع سلاح المقاومة ما دام العدو الإسرائيلي متربصاً بلبنان، وما دامت الاستراتيجية الدفاعية لم تُنجز بعد»، فأجاب مشككاً بالثقة بالرئيس وحسن تقديره للموقف من العدو الإسرائيلي وضرورة البقاء شعباً وجيشاً ومقاومة على استعداد لمواجهة أي اعتداء يشنه على لبنان: «إن الرئيس له أسبابه ليقول ما قال». وأضاف: «نحن نقول إن في البلد الواحد يجب أن يكون هناك سلاح واحد»، موضحاً أنه لا يدري خلفيات كلام الرئيس.
وإذا لم يكن من عادة الرئيس التعليق، فإننا نجد أن ثمة سؤالاً مشروعاً يطرحه على أنفسهم اللبنانيون عموماً، والمسيحيون منهم خصوصاً، والرئيس هو رئيس الجميع: إلى من نُصغي في مثل هذه القضايا؟ أللسلطة السياسية، أم للسلطة الدينية والطائفية مع احترامنا الكلي لرؤساء الطوائف؟
وهل يحق لرئيس أي طائفة القفز من فوق المقامات وتجاوز المؤسسات في ما يعنيها من إدارة شؤون الدولة؟
ثم أليس من واجب رجال الدين النظر إلى المصلحة العامة، واحترام المسؤولين وعدم «القوطبة» عليهم وإدخال المواطنين في متاهات يصعب الخروج منها بسهولة حول من يصدّقون في الأمور الخطيرة والمهمة: رجل الدين، أم رجل الدولة؟! مع ما ينطوي عليه مثل هذا الإشكال «الشرعي» من توجيه رسالة خاطئة إلى العدو المتربص بنا الدوائر والذي يهدد وطننا يومياً، بأن اللبنانيين منقسمون حول العدو وشرعية التصدي له، إذا ما تعرض بلدهم لاعتداء منه.
وبطريقة أوضح: هم منقسمون حول السلاح كما حول من يقود البلاد في حال تعرضها للخطر، وكأن البطريرك في قوله عن الرئيس إن «له أسبابه» يوحي بأن الرجل مغلوب على أمره! وليس حراً في قراره...
وليت صاحب الغبطة أولى موضوع الهجرة اهتماماً أكثر من موضوع الدفاع، لأنه ليس من اختصاصه، ولا سيما بعدما صرح أخيراً أن الهجرة استنزفت اللبنانيين منذ أواخر الثمانينيات حيث كان يهاجر سنوياً قرابة 80 ألفاً أكثريتهم الساحقة من المسيحيين. وأعطى رقماً مذهلاً ومخيفاً هو مليون مهاجر خلال نحو عقدين أي قرابة ثلث الشعب اللبناني؟! وهذه نكبة في نظر اللبنانيين جميعاً لا في نظر المسيحيين فحسب، لا توازيها سوى النكبة التي نزلت بهم مطلع القرن الماضي وأشار إليها البطريرك الياس الحويك في المذكرة التي قدمها إلى مؤتمر السلام في باريس في 25 تشرين الأول 1919 مطالباً المجتمع الدولي «بإنزال العقوبات بمرتكبي الفظائع والمحرضين عليها».
وسبق لأحد المفكرين اللبنانيين الكبار أن تساءل: «هل كان لبنان سيرزح تحت عبء الانتداب وينتهي دولة مفككة تفترسها الطائفية ويتحكّم بها الإقطاع، وينهشها الفساد، وتهددها إسرائيل باستمرار فينقسم أهلها حول الدفاع عنها، لو أن اللبنانيين حملوا السلاح عندما ظهرت في الأفق بوادر انهيار الحلف التركي ـ الألماني في الحرب العالمية الأولى، ورفضوا الانتداب على أنواعه، الفرنسي والإنكليزي، وأصروا على الاستقلال وبناء دولة مدنية، بدل التحول محمية فرنسية ثبّتت أركان الدولة الطائفية، وقسّمت اللبنانيين قبائل وشعوباً يتقدم لديها الولاء الطائفي والهوية الطائفية على الولاء الوطني والهوية الوطنية؟
لقد عاد البطريرك الماروني من زيارة للأردن دشّن خلالها كنيسة مار شربل، في عمّان، ووضع الحجر الأساس لكنيسة مار مارون على ضفاف نهر الأردن بالقرب من البحر الميت. وحبذا لو نظر الأب الروحي للموارنة، عبر نهر الأردن حيث تعمّد السيد المسيح والبحر الميت، إلى فلسطين المحتلة التي تأتي إليها إسرائيل باليهود من أقاصي الأرض، فيصادرون أراضي الفلسطينيين العرب، مسلمين ومسيحيين، ويوطّنون يهود الشتات فوقها، وقد هبطت نسبة المسيحيين في القدس إلى 3 في المئة، وسأل نفسه: هل يعقل أن يهجر المسيحيون لبنان بمئات الألوف في حين تجذب إسرائيل مئات الألوف من اليهود سنوياً إلى «أرض الميعاد»؟ وما العمل لتحويل لبنان من «وطن طارد» للمسيحيين، إلى «وطن جاذب» لهم؟
لقد كانت المفاجأة الكبرى في انتخابات بيروت البلدية والاختيارية، ليست الرفض للاستئثار من خلال النسب المتدنية للمشاركة في الاقتراع، بل في النسب العالية للهجرة المسيحية من بيروت إلى خارجها والعالم الخارجي. وهذا ما ينبغي أن يقض مضجع البطريرك ومعه المطران الياس عودة، لأن الأكثرية المهاجرة من الروم الأرثوذكس.
وفي ذلك يصح قول المسيح: «مرتا، مرتا، أنت مهتمة بأمور كثيرة والمطلوب هو واحد».
إن المطلوب يا سيدنا البطريرك هو أن يبقى في لبنان مسيحيون ليستحقوا المناصفة التي تُعرض عليهم من المسلمين، وكأنها منّة أو حسنة لوجه الله!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018