ارشيف من :أخبار لبنانية
تجربة سنوات الجفاف: السنيورة والحريري وطبّارة (1)
بعدما اختلف مع الرئيس فؤاد شهاب عام 1959، اختار العميد ريمون إده التحالف مع ندّه الرئيس كميل شمعون ضد شهاب. في وقت لاحق قيل له: لو اخترت التحالف مع شهاب ضد شمعون لكانت حياتك السياسية تغيّرت برمّتها. ما العلاقة بين هذه الواقعة وبين وزر خلافة الرئيس سعد الحريري الرئيس فؤاد السنيورة في رئاسة الحكومة؟
نقولا ناصيف
تسلّم الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة، بعد خمس سنوات قاسية من تداخل النزاعات الداخلية بالتدخّلات الخارجية في شتى مراحل الحكم، شملت العلاقة مع سوريا، كما مع أفرقاء محليين أخصّهم حزب الله. وشملت نفوذ الخارج المتعاظم في الداخل مقدار اصطدامها بالعجز عن فرض سلطة هذا الداخل على نفسه في أحسن الأحوال. قيل عندئذ إن الحريري اختار، لرئاسة الحكومة ولقيادة قوى 14 آذار في الحكم، السنيورة على الوزير السابق بهيج طبّارة.
بعد أشهر على انطواء تلك التجربة، بات يُقال اليوم: لو اختار الحريري طبّارة على السنيورة حينذاك لتغيّر ربما كل هذا الوزر الذي يحمله الآن.
مذ تسلّم الزعامة السياسية للعائلة في 20 نيسان 2005، بعد الانقلاب الذي أحدثه اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط وانقلاب توازن القوى الداخلي رأساً على عقب، على أبواب الانسحاب الشامل للجيش السوري من لبنان، كان على الحريري أن يختار بين أحد اسمين لرئاسة حكومة ما بعد حكومة انتخابات 2005 برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي وحصوله على الغالبية النيابية في البرلمان، هما الاسمان الأكثر التصاقاً بالحريري الأب، وأقرب المعاونين المسموعي الكلمة إليه: السنيورة وطبّارة. الأول معاونه للشؤون المالية والإدارية، والثاني للشؤون القانونية. تقدّم الأول على الثاني لدى الرئيس الراحل بشفاعة صداقة طويلة جمعت بينهما منذ صبا صيدا. في اجتماع ضمّه والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، قال له الحريري إن خلافة ميقاتي في رئاسة الحكومة تترجّح بين السنيورة وطبّارة. ردّ نصر الله أنه غير معني بخيار تسمية الرئيس الجديد للحكومة، إلا أن على الأخير احترام الحلف الرباعي الذي قاد رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله إلى ائتلاف انتخابي مع قوى 14 آذار بزعامة الحريري ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.
كان الحريري قد اختار سلفاً، في قرارة نفسه، السنيورة لرئاسة الحكومة وناط بطبّارة الإشراف في غيابه على الكتلة النيابية لتيّار المستقبل التي مثّلت يومذاك أكبر تجمّع نيابي في برلمان 2005، وبلغ 35 نائباً.
كان على نصر الله أيضاً أن يثبّت من جانبه الحلف الرباعي في المرحلة التالية كصمام أمان يجنّب لبنان الانفجار بين قوى 8 و14 آذار، ويطوي أي خوض في القرار 1559 وسلاح المقاومة. كانت أمامه حينذاك مفاضلة مشابهة لتحديد التحالف الانتخابي في دائرة بعبدا ـــــ عاليه بين الرئيس ميشال عون وقوى 14 آذار. رفع الجنرال العائد قبل أسابيع من باريس نبرته الحادة والمناوئة لسلاح حزب الله، وجَهَرَ بعدم شرعيته وضرورة التخلي عنه، فانحاز نصر الله إلى الحريري وجنبلاط. وإذا بانتخابات دائرة بعبدا ـــــ عاليه، في ظلّ التحالف الرباعي، تمنح قوى 14 آذار 10 نواب كانوا كافين للانتقال بالغالبية النيابية من مكان إلى آخر. وهكذا امتلكت قوى 14 آذار الأكثرية النيابية التي مكّنتها من السيطرة على غالبية حكومية مماثلة من ضمن شرط نقضته لاحقاً، هو الاتفاق المسبق في مجلس الوزراء على القرارات المهمة تفادياً للجوء إلى التصويت، وفرض أمر واقع على وزراء الأقلية.
وتثبيتاً لهذا الاتفاق بشهود عليه، أطلع نصر الله السفير السعودي عبد العزيز خوجة على ما دار بينه والحريري ومغزى وضع الغالبية النيابية بين يدي قوى 14 آذار. وحينما ذهب في 26 كانون الأول 2006، لأول مرة، وفد حزب الله إلى المملكة وضم نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم ووزير الحزب محمد فنيش، كرّر على المسؤولين السعوديين تلك الرواية. أمام الملك عبد الله أعادها قاسم وفنيش، فاستفسر عبد الله من خوجة بعد استدعائه، وتيقّن صحة اتفاق نصر الله والحريري على طبيعة الحلف الرباعي وموافقة حزب الله على تجيير الغالبية النيابية من قوى 8 آذار إلى قوى 14 آذار.
يومذاك قال موفدا حزب الله إن الحريري والسنيورة هما مَن نقض الاتفاق.
تدريجاً انهارت العلاقة بين فريقي الحلف الرباعي. لم يقاوم حزب الله إبعاد عون عن حكومة الحلف الرباعي وإبدال الزعامة المسيحية، المارونية خصوصاً، الأقوى المنبثقة من انتخابات 2005 في جبل لبنان الشمالي بالرئيس أمين الجميّل والقوات اللبنانية والمسيحيين المنضوين في التكتل النيابي لجنبلاط وشخصيات مسيحية مستقلة. ولم يقاوم إضعاف سلطة الرئيس إميل لحود في مجلس الوزراء. تهاوت العلاقة بين الحريري والسنيورة وحزب الله بسبب المطالبة بإنشاء محكمة ذات طابع دولي في اغتيال الحريري الأب، في حمأة اتهامات سيقت لسوريا بارتكاب الجريمة، لتدق أبواب أول صدام مباشر بين السنيورة وقوى 14 آذار وحزب الله.
الأربعاء 7 كانون الأول 2005، زار الحريري نصر الله وطلب منه تصويت وزيري حزب الله، محمد فنيش وطراد حمادة، على طلب الحكومة اللبنانية من الأمم المتحدة إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة قتلة والده، في جلسة يعقدها مجلس الوزراء الخميس التالي 15 كانون الأول. ردّ نصر الله بالموافقة المبدئية على الطلب، لأن حزب الله ينشد أيضاً الحقيقة والعدالة، وقال لمحدّثه إنه رئيس حزب سياسي وليس زعيماً كالحريري نفسه وجنبلاط يتخذ قراراً مستقلاً وعاجلاً، مشدّداً على ضرورة الاطلاع على وثائق الحكومة اللبنانية في شأن هذا الطلب كي يكون الأمر جلياً. أسود على أبيض يُعرض على الحزب ويوافق عليه، ويطلب عندئذ من وزيريه اللذين هما موظفان في رتبة وزير التصويت بناءً على هذه الموافقة.
كانت حجّة نصر الله في الاطلاع على تلك الوثائق والنصوص، التحوّط من أي استهداف للمقاومة في ذروة المطالبة الدولية بتنفيذ القرار 1559 وتمادي التدخلين الأميركي والفرنسي في الشؤون اللبنانية وموالاة قوى 14 آذار، والحضّ على نزع سلاح حزب الله، وكي يتيقن أيضاً من أن أهداف المحكمة كشف قتلة الرئيس الراحل ومحاكمتهم بلا تسييس.
اتفق الرجلان على أن يوفد الحريري الوزير السابق بهيج طبّارة لإطلاع الحزب على ما طالب به نصر الله. اليوم التالي، الخميس 8 كانون الأول، اجتمع طبّارة بالمعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين الخليل، وأعلمه بالخطوط العريضة لأهداف لبنان من إنشاء محكمة ذات طابع دولي. ارتاح الخليل إلى العرض وأبرَزَ استعداداً للموافقة على الطلب من ضمن المعطيات التي أصغى إليها، وطلب من طبّارة ـــــ المنوط به هذا الملف ـــــ صوغها في ورقة يعرضها على نصر الله، كي يكون على بيّنة من مشروع المحكمة. ارتأيا في نهاية اجتماعهما عقد لقاء بين طبّارة ونصر الله الاثنين أو الثلاثاء، يكون الوزير السابق أنجز حتى ذلك الحين، في عطلة نهاية الأسبوع، الورقة المتفق عليها لمناقشتها. التاسعة صباح الاثنين 12 كانون الأول، اغتيل النائب جبران تويني.
تجاوزت تطورات الساعات التالية ما كان قد اتفق عليه بين فريقي نصر الله والحريري، وأمست المبادرة في يد السنيورة وحده، الكثير العجلة على إقرار طلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي. عقد في اليوم نفسه اجتماعاً استثنائياً مع سفراء عرب وأجانب، وترأس جلسة استثنائية بدورها لمجلس الوزراء بعد الظهر أصرّ فيها على إقرار إرسال طلب إلى الأمم المتحدة بإنشاء محكمة ذات طابع دولي وتوسّع التحقيق الدولي كي يشمل الاغتيالات التي تلت محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في أول تشرين الأول 2004. بلغ اتهام سوريا ذروة في تحميلها مسؤولية الاغتيال الأخير.
تشبّث وزراء الغالبية الموالية بإقرار الموافقة، وأحجم الوزراء الشيعة الخمسة، طالبين مهلة ثلاثة أيام لدرس صيغة الطلب، بينما أعلن وزيرا الحزب أن لا تعليمات لديهما بتلك الموافقة. انتهى الأمر باعتكاف الوزراء الشيعة الخمسة. في 13 كانون الأول ذهب الطلب إلى مجلس الأمن الذي استمهل شهوراً عدة قبل أن يوافق على إنشاء محكمة ذات طابع دولي. في تلك الأثناء وقع الشرخ بين حزب الله والحريري والسنيورة، سُوّي موقتاً في جلسة لمجلس النواب في 2 شباط 2006 بعودة الوزراء المعتكفين بعد تعهّد رئيس الحكومة بأن لا تسمّى المقاومة إلا باسمها. ولم تكن هذه ـــــ بل المحكمة ـــــ مشكلة الاعتكاف. بعد أشهر اندلعت حرب تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل. اتخذت منها قوى 14 آذار مناسبة لتصف حزب الله بالمتهوّر الذي يدفع بلبنان إلى حرب مدمّرة مع إسرائيل يتكبّد وزر خسائرها. انتهت حرب تموز بإعلان الحزب انتصاره. بعد أشهر، في 11 تشرين الثاني 2006، استقال الوزراء الشيعة نهائياً من حكومة السنيورة.
بعدما استثنى السنيورة عون من الحكومة وأضعف لحود، اتهمه حزب الله بالانتقال إلى مرحلة ثالثة من الاستئثار بالسلطة بتجاهله استقالة الوزراء الشيعة الخمسة، وتصرّفه على أنهم متغيّبون عن جلسات مجلس الوزراء ليس إلا. لا يقبل استقالتهم، ولا يمنحهم أسباب عودتهم عنها. في المقابل، أصبحت حكومته تفتقد عند لحود وبرّي وحزب الله الشرعية الدستورية، وأمست باطلة. باتت تقتصر على الشرعية الشعبية السنّية والدرزية عبر الحريري وجنبلاط تحت وطأة تدهور الأوضاع الداخلية، بدءاً من اعتصام المعارضة في وسط بيروت في أول كانون الأول 2006 حتى أحداث 7 أيار 2008. في ظلّ الاستئثار السنّي بالحكم ـــــ وكانت رئاسة الجمهورية شغرت منذ 24 تشرين الثاني 2007 ـــــ وصل السنيورة إلى الامتحان.
في 48 ساعة انقلب الداخل اللبناني رأساً على عقب في حكومة السنيورة التي كانت قد تولت صلاحيات رئيس الجمهورية بعد انتهاء ولاية لحود، وكذلك في الشارع. كان الاستحقاق الجديد درزياً. في 5 أيار 2008 أصرّ جنبلاط على إصدار قرارين بوضع اليد على شبكة اتصالات حزب الله وإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير. جارت الغالبية الوزراية ـــــ بمَن فيها وزراء الحريري ـــــ الطلب، وتحفّظ عنه رئيس الحكومة خشية نتائجه الخطيرة في الداخل. هدّد الزعيم الدرزي بسحب وزيريه من الحكومة، وإذ ذاك يصبح سقوطها محتوماً مجرّدة من التمثيل الشيعي والمسيحي والدرزي. فرضخ، ولكنه عارض اتخاذ القرارين مسلّماً بإرادة الغالبية. كانت قبضة جنبلاط وحدها كافية كي تحدّد مصير حكومة السنيورة وقوى 14 آذار بعدما بلغت مأزق الاستئثار. في 7 أيار انفجر الشارع وسيطر حزب الله على بيروت وفكّك ميليشيا تيّار المستقبل. في 8 أيار وجد السنيورة نفسه في موقف مشابه، ولكنه اتخذ الموقف المناقض. بعدما أصدر مجلس الوزراء قراريه، لم يعد رئيس الحكومة يقبل بالتراجع عنهما، وحذا حذوه وزراء المستقبل، وأصبح أكثر تمسّكاً بهيبة سلطته. لكنّ الزعيم الدرزي قادهم مجدّداً إلى الاتجاه المعاكس. هدّد مرة أخرى بسحب وزيريه من الحكومة إذا لم يعمد مجلس الوزراء إلى التراجع عن قراري 5 أيار. للمرة الثانية اختار السنيورة الاستسلام لإرادة جنبلاط تفادياً لانهيار حكومته، إلا أن مسلّحي حزب الله كانوا قد دقوا أبواب الشوف، فاختار الزعيم الدرزي الانكفاء.
لم يقد 7 أيار الجميع إلى اتفاق الدوحة فحسب لإقرار تسوية سياسية انتقالية تعيد الاستقرار، بل إلى انقلاب وازى بنتائجه اغتيال الحريري الأب، كي ينهي ما تلى ذلك الاغتيال ويُعدّ لحقبة جديدة مناقضة: توازن قوى جديد جعل الفيتو الشيعي يقرّر استمرار الحكم في لبنان أو تعطيله. أذِن ما حصل بسقوط استئثار فريق دون آخر بالحكم.
بمرور الوقت بين عامي 2005 و2007، تبيّن لنصر الله أن الغالبية النيابية التي أمسكت بها قوى 14 آذار بفضل حزب الله، منذ تأليف حكومة السنيورة، لم تعدُ سوى بطاقة ائتمان غير صالحة للتشغيل في أي آلة صرف:
أول تعطيل لآلة التشغيل كان استقالة الوزراء الشيعة، فتعذّر على حكومة السنيورة اتخاذ أي قرار في غيابهم.
وثاني تعطيل شلّ اجتماعات مجلس النواب، فلم يعد من مغزى لامتلاك قوى 14 آذار أكثرية نيابية لا قدرة لها على الاجتماع والعمل.
وثالث تعطيل، وقد وقع الشغور في رئاسة الجمهورية، أن لا انتخاب لرئيس جديد خارج نصاب ثلثي البرلمان، في ردّ مباشر على جهود بذلتها قوى 14 آذار، وأخصّها جنبلاط، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية من صفوف هذا الفريق، وبنصاب النصف زائداً واحداً.
عند هذا الحدّ كَمَنَ الفارق بين السنيورة وطبّارة.
نقولا ناصيف
تسلّم الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة، بعد خمس سنوات قاسية من تداخل النزاعات الداخلية بالتدخّلات الخارجية في شتى مراحل الحكم، شملت العلاقة مع سوريا، كما مع أفرقاء محليين أخصّهم حزب الله. وشملت نفوذ الخارج المتعاظم في الداخل مقدار اصطدامها بالعجز عن فرض سلطة هذا الداخل على نفسه في أحسن الأحوال. قيل عندئذ إن الحريري اختار، لرئاسة الحكومة ولقيادة قوى 14 آذار في الحكم، السنيورة على الوزير السابق بهيج طبّارة.
بعد أشهر على انطواء تلك التجربة، بات يُقال اليوم: لو اختار الحريري طبّارة على السنيورة حينذاك لتغيّر ربما كل هذا الوزر الذي يحمله الآن.
مذ تسلّم الزعامة السياسية للعائلة في 20 نيسان 2005، بعد الانقلاب الذي أحدثه اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط وانقلاب توازن القوى الداخلي رأساً على عقب، على أبواب الانسحاب الشامل للجيش السوري من لبنان، كان على الحريري أن يختار بين أحد اسمين لرئاسة حكومة ما بعد حكومة انتخابات 2005 برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي وحصوله على الغالبية النيابية في البرلمان، هما الاسمان الأكثر التصاقاً بالحريري الأب، وأقرب المعاونين المسموعي الكلمة إليه: السنيورة وطبّارة. الأول معاونه للشؤون المالية والإدارية، والثاني للشؤون القانونية. تقدّم الأول على الثاني لدى الرئيس الراحل بشفاعة صداقة طويلة جمعت بينهما منذ صبا صيدا. في اجتماع ضمّه والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، قال له الحريري إن خلافة ميقاتي في رئاسة الحكومة تترجّح بين السنيورة وطبّارة. ردّ نصر الله أنه غير معني بخيار تسمية الرئيس الجديد للحكومة، إلا أن على الأخير احترام الحلف الرباعي الذي قاد رئيس المجلس نبيه برّي وحزب الله إلى ائتلاف انتخابي مع قوى 14 آذار بزعامة الحريري ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.
كان الحريري قد اختار سلفاً، في قرارة نفسه، السنيورة لرئاسة الحكومة وناط بطبّارة الإشراف في غيابه على الكتلة النيابية لتيّار المستقبل التي مثّلت يومذاك أكبر تجمّع نيابي في برلمان 2005، وبلغ 35 نائباً.
كان على نصر الله أيضاً أن يثبّت من جانبه الحلف الرباعي في المرحلة التالية كصمام أمان يجنّب لبنان الانفجار بين قوى 8 و14 آذار، ويطوي أي خوض في القرار 1559 وسلاح المقاومة. كانت أمامه حينذاك مفاضلة مشابهة لتحديد التحالف الانتخابي في دائرة بعبدا ـــــ عاليه بين الرئيس ميشال عون وقوى 14 آذار. رفع الجنرال العائد قبل أسابيع من باريس نبرته الحادة والمناوئة لسلاح حزب الله، وجَهَرَ بعدم شرعيته وضرورة التخلي عنه، فانحاز نصر الله إلى الحريري وجنبلاط. وإذا بانتخابات دائرة بعبدا ـــــ عاليه، في ظلّ التحالف الرباعي، تمنح قوى 14 آذار 10 نواب كانوا كافين للانتقال بالغالبية النيابية من مكان إلى آخر. وهكذا امتلكت قوى 14 آذار الأكثرية النيابية التي مكّنتها من السيطرة على غالبية حكومية مماثلة من ضمن شرط نقضته لاحقاً، هو الاتفاق المسبق في مجلس الوزراء على القرارات المهمة تفادياً للجوء إلى التصويت، وفرض أمر واقع على وزراء الأقلية.
وتثبيتاً لهذا الاتفاق بشهود عليه، أطلع نصر الله السفير السعودي عبد العزيز خوجة على ما دار بينه والحريري ومغزى وضع الغالبية النيابية بين يدي قوى 14 آذار. وحينما ذهب في 26 كانون الأول 2006، لأول مرة، وفد حزب الله إلى المملكة وضم نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم ووزير الحزب محمد فنيش، كرّر على المسؤولين السعوديين تلك الرواية. أمام الملك عبد الله أعادها قاسم وفنيش، فاستفسر عبد الله من خوجة بعد استدعائه، وتيقّن صحة اتفاق نصر الله والحريري على طبيعة الحلف الرباعي وموافقة حزب الله على تجيير الغالبية النيابية من قوى 8 آذار إلى قوى 14 آذار.
يومذاك قال موفدا حزب الله إن الحريري والسنيورة هما مَن نقض الاتفاق.
تدريجاً انهارت العلاقة بين فريقي الحلف الرباعي. لم يقاوم حزب الله إبعاد عون عن حكومة الحلف الرباعي وإبدال الزعامة المسيحية، المارونية خصوصاً، الأقوى المنبثقة من انتخابات 2005 في جبل لبنان الشمالي بالرئيس أمين الجميّل والقوات اللبنانية والمسيحيين المنضوين في التكتل النيابي لجنبلاط وشخصيات مسيحية مستقلة. ولم يقاوم إضعاف سلطة الرئيس إميل لحود في مجلس الوزراء. تهاوت العلاقة بين الحريري والسنيورة وحزب الله بسبب المطالبة بإنشاء محكمة ذات طابع دولي في اغتيال الحريري الأب، في حمأة اتهامات سيقت لسوريا بارتكاب الجريمة، لتدق أبواب أول صدام مباشر بين السنيورة وقوى 14 آذار وحزب الله.
الأربعاء 7 كانون الأول 2005، زار الحريري نصر الله وطلب منه تصويت وزيري حزب الله، محمد فنيش وطراد حمادة، على طلب الحكومة اللبنانية من الأمم المتحدة إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة قتلة والده، في جلسة يعقدها مجلس الوزراء الخميس التالي 15 كانون الأول. ردّ نصر الله بالموافقة المبدئية على الطلب، لأن حزب الله ينشد أيضاً الحقيقة والعدالة، وقال لمحدّثه إنه رئيس حزب سياسي وليس زعيماً كالحريري نفسه وجنبلاط يتخذ قراراً مستقلاً وعاجلاً، مشدّداً على ضرورة الاطلاع على وثائق الحكومة اللبنانية في شأن هذا الطلب كي يكون الأمر جلياً. أسود على أبيض يُعرض على الحزب ويوافق عليه، ويطلب عندئذ من وزيريه اللذين هما موظفان في رتبة وزير التصويت بناءً على هذه الموافقة.
كانت حجّة نصر الله في الاطلاع على تلك الوثائق والنصوص، التحوّط من أي استهداف للمقاومة في ذروة المطالبة الدولية بتنفيذ القرار 1559 وتمادي التدخلين الأميركي والفرنسي في الشؤون اللبنانية وموالاة قوى 14 آذار، والحضّ على نزع سلاح حزب الله، وكي يتيقن أيضاً من أن أهداف المحكمة كشف قتلة الرئيس الراحل ومحاكمتهم بلا تسييس.
اتفق الرجلان على أن يوفد الحريري الوزير السابق بهيج طبّارة لإطلاع الحزب على ما طالب به نصر الله. اليوم التالي، الخميس 8 كانون الأول، اجتمع طبّارة بالمعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين الخليل، وأعلمه بالخطوط العريضة لأهداف لبنان من إنشاء محكمة ذات طابع دولي. ارتاح الخليل إلى العرض وأبرَزَ استعداداً للموافقة على الطلب من ضمن المعطيات التي أصغى إليها، وطلب من طبّارة ـــــ المنوط به هذا الملف ـــــ صوغها في ورقة يعرضها على نصر الله، كي يكون على بيّنة من مشروع المحكمة. ارتأيا في نهاية اجتماعهما عقد لقاء بين طبّارة ونصر الله الاثنين أو الثلاثاء، يكون الوزير السابق أنجز حتى ذلك الحين، في عطلة نهاية الأسبوع، الورقة المتفق عليها لمناقشتها. التاسعة صباح الاثنين 12 كانون الأول، اغتيل النائب جبران تويني.
تجاوزت تطورات الساعات التالية ما كان قد اتفق عليه بين فريقي نصر الله والحريري، وأمست المبادرة في يد السنيورة وحده، الكثير العجلة على إقرار طلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي. عقد في اليوم نفسه اجتماعاً استثنائياً مع سفراء عرب وأجانب، وترأس جلسة استثنائية بدورها لمجلس الوزراء بعد الظهر أصرّ فيها على إقرار إرسال طلب إلى الأمم المتحدة بإنشاء محكمة ذات طابع دولي وتوسّع التحقيق الدولي كي يشمل الاغتيالات التي تلت محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في أول تشرين الأول 2004. بلغ اتهام سوريا ذروة في تحميلها مسؤولية الاغتيال الأخير.
تشبّث وزراء الغالبية الموالية بإقرار الموافقة، وأحجم الوزراء الشيعة الخمسة، طالبين مهلة ثلاثة أيام لدرس صيغة الطلب، بينما أعلن وزيرا الحزب أن لا تعليمات لديهما بتلك الموافقة. انتهى الأمر باعتكاف الوزراء الشيعة الخمسة. في 13 كانون الأول ذهب الطلب إلى مجلس الأمن الذي استمهل شهوراً عدة قبل أن يوافق على إنشاء محكمة ذات طابع دولي. في تلك الأثناء وقع الشرخ بين حزب الله والحريري والسنيورة، سُوّي موقتاً في جلسة لمجلس النواب في 2 شباط 2006 بعودة الوزراء المعتكفين بعد تعهّد رئيس الحكومة بأن لا تسمّى المقاومة إلا باسمها. ولم تكن هذه ـــــ بل المحكمة ـــــ مشكلة الاعتكاف. بعد أشهر اندلعت حرب تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل. اتخذت منها قوى 14 آذار مناسبة لتصف حزب الله بالمتهوّر الذي يدفع بلبنان إلى حرب مدمّرة مع إسرائيل يتكبّد وزر خسائرها. انتهت حرب تموز بإعلان الحزب انتصاره. بعد أشهر، في 11 تشرين الثاني 2006، استقال الوزراء الشيعة نهائياً من حكومة السنيورة.
بعدما استثنى السنيورة عون من الحكومة وأضعف لحود، اتهمه حزب الله بالانتقال إلى مرحلة ثالثة من الاستئثار بالسلطة بتجاهله استقالة الوزراء الشيعة الخمسة، وتصرّفه على أنهم متغيّبون عن جلسات مجلس الوزراء ليس إلا. لا يقبل استقالتهم، ولا يمنحهم أسباب عودتهم عنها. في المقابل، أصبحت حكومته تفتقد عند لحود وبرّي وحزب الله الشرعية الدستورية، وأمست باطلة. باتت تقتصر على الشرعية الشعبية السنّية والدرزية عبر الحريري وجنبلاط تحت وطأة تدهور الأوضاع الداخلية، بدءاً من اعتصام المعارضة في وسط بيروت في أول كانون الأول 2006 حتى أحداث 7 أيار 2008. في ظلّ الاستئثار السنّي بالحكم ـــــ وكانت رئاسة الجمهورية شغرت منذ 24 تشرين الثاني 2007 ـــــ وصل السنيورة إلى الامتحان.
في 48 ساعة انقلب الداخل اللبناني رأساً على عقب في حكومة السنيورة التي كانت قد تولت صلاحيات رئيس الجمهورية بعد انتهاء ولاية لحود، وكذلك في الشارع. كان الاستحقاق الجديد درزياً. في 5 أيار 2008 أصرّ جنبلاط على إصدار قرارين بوضع اليد على شبكة اتصالات حزب الله وإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير. جارت الغالبية الوزراية ـــــ بمَن فيها وزراء الحريري ـــــ الطلب، وتحفّظ عنه رئيس الحكومة خشية نتائجه الخطيرة في الداخل. هدّد الزعيم الدرزي بسحب وزيريه من الحكومة، وإذ ذاك يصبح سقوطها محتوماً مجرّدة من التمثيل الشيعي والمسيحي والدرزي. فرضخ، ولكنه عارض اتخاذ القرارين مسلّماً بإرادة الغالبية. كانت قبضة جنبلاط وحدها كافية كي تحدّد مصير حكومة السنيورة وقوى 14 آذار بعدما بلغت مأزق الاستئثار. في 7 أيار انفجر الشارع وسيطر حزب الله على بيروت وفكّك ميليشيا تيّار المستقبل. في 8 أيار وجد السنيورة نفسه في موقف مشابه، ولكنه اتخذ الموقف المناقض. بعدما أصدر مجلس الوزراء قراريه، لم يعد رئيس الحكومة يقبل بالتراجع عنهما، وحذا حذوه وزراء المستقبل، وأصبح أكثر تمسّكاً بهيبة سلطته. لكنّ الزعيم الدرزي قادهم مجدّداً إلى الاتجاه المعاكس. هدّد مرة أخرى بسحب وزيريه من الحكومة إذا لم يعمد مجلس الوزراء إلى التراجع عن قراري 5 أيار. للمرة الثانية اختار السنيورة الاستسلام لإرادة جنبلاط تفادياً لانهيار حكومته، إلا أن مسلّحي حزب الله كانوا قد دقوا أبواب الشوف، فاختار الزعيم الدرزي الانكفاء.
لم يقد 7 أيار الجميع إلى اتفاق الدوحة فحسب لإقرار تسوية سياسية انتقالية تعيد الاستقرار، بل إلى انقلاب وازى بنتائجه اغتيال الحريري الأب، كي ينهي ما تلى ذلك الاغتيال ويُعدّ لحقبة جديدة مناقضة: توازن قوى جديد جعل الفيتو الشيعي يقرّر استمرار الحكم في لبنان أو تعطيله. أذِن ما حصل بسقوط استئثار فريق دون آخر بالحكم.
بمرور الوقت بين عامي 2005 و2007، تبيّن لنصر الله أن الغالبية النيابية التي أمسكت بها قوى 14 آذار بفضل حزب الله، منذ تأليف حكومة السنيورة، لم تعدُ سوى بطاقة ائتمان غير صالحة للتشغيل في أي آلة صرف:
أول تعطيل لآلة التشغيل كان استقالة الوزراء الشيعة، فتعذّر على حكومة السنيورة اتخاذ أي قرار في غيابهم.
وثاني تعطيل شلّ اجتماعات مجلس النواب، فلم يعد من مغزى لامتلاك قوى 14 آذار أكثرية نيابية لا قدرة لها على الاجتماع والعمل.
وثالث تعطيل، وقد وقع الشغور في رئاسة الجمهورية، أن لا انتخاب لرئيس جديد خارج نصاب ثلثي البرلمان، في ردّ مباشر على جهود بذلتها قوى 14 آذار، وأخصّها جنبلاط، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية من صفوف هذا الفريق، وبنصاب النصف زائداً واحداً.
عند هذا الحدّ كَمَنَ الفارق بين السنيورة وطبّارة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018